التغافل… فنّ النبلاء.. !!

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
حين يمتلئ القلب بمعرفة الله، يصبح التغافل شجاعةً لا يقدر عليها إلا الكبار.
في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات كما تتساقط شرارات الحديد، صار كثير من الناس يظنون أن القوة في الردّ، وأن الهيبة في المواجهة الدائمة، وأن الكرامة لا تُصان إلا بالصدام. لكنّ الحكماء عبر التاريخ كانوا يبتسمون لهذه الفكرة كما يبتسم الطبيب لطفلٍ يظن أن الضجيج دواء. فالحياة، في حقيقتها العميقة، لا تُدار بالصراخ، بل بالحكمة. ولا تُحفظ العلاقات بكثرة الحساب، بل بقدرٍ من التغافل الجميل.
وحين قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: “من خدعك فانخدعت له فقد خدعته” لم يكن يدعو إلى السذاجة، بل إلى نوعٍ رفيع من الذكاء الاجتماعي. إنّه ذكاء يعرف متى يتجاوز، ومتى يتغاضى، ومتى يترك بعض التفاصيل تمرّ بسلام حتى لا تتحول الحياة إلى محكمة مفتوحة.
فالحقيقة التي يتعلمها الإنسان متأخراً غالباً هي أن البشر ليسوا ملائكة، وأن العلاقات لا تستقيم إذا وقفنا عند كل كلمة، ولا تستمر إذا فحصنا كل نية. ولو أن كل إنسانٍ طالب بحقه كاملاً في كل موقفٍ صغير لانقطعت حبال المودة، وتحولت المجالس إلى ساحات جدالٍ لا تنتهي.
ولهذا جاء المنهج الإسلامي متوازناً عجيباً، يربّي الإنسان على قوة النفس لا على قسوة القلب. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
الأعراف: 199
في هذه الآية القصيرة تختصر فلسفة التعامل الإنساني: عفوٌ يداوي القلوب، ومعروفٌ يبني المجتمع، وإعراضٌ ذكي عن الجهل حتى لا يتكاثر.
ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى حين يقول:
“وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزّاً”
رواه مسلم.
إنها معادلة إيمانية عميقة؛ فالعفو ليس خسارة، بل زيادة، وليس ضعفاً، بل رفعة يمنحها الله لعبده الكريم.
ولذلك كان كبار العقول عبر العصور يقدّرون هذا الخلق النبيل. فقد كان الإمام الشافعي يقول: “الكيس الفطن هو المتغافل”، ولم يقل الغافل، لأن التغافل قرارٌ واعٍ، يتخذه الإنسان حين يرى أن كرامته أكبر من أن تُستنزف في معارك صغيرة.
وكان الحسن البصري يردد: “ما زال التغافل من شيم الكرام”. فالكرامة الحقيقية ليست في سرعة الرد، بل في القدرة على تجاوز ما لا يستحق الرد.
حتى الفلاسفة الذين لم يعيشوا في بيئة الإسلام اقتربوا من هذه الحكمة. فسقراط كان يقول إن الإنسان الحكيم لا ينشغل بإثبات أنه على حق بقدر ما ينشغل بالبقاء إنساناً نبيلاً. وكتب الإمبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس عبارة أصبحت خالدة: “أفضل انتقام هو ألا تكون مثل عدوك.”
وهنا يظهر البعد الفلسفي العميق للتغافل؛ فهو ليس هروباً من المواجهة، بل انتصار على ردود الفعل البدائية التي تسكن داخل الإنسان.
ولعل من أجمل القصص التي تُروى في هذا الباب ما وقع لأحد العلماء في العصر العباسي. فقد جاءه رجل في مجلسٍ عام وأخذ يسيء إليه بكلماتٍ جارحة، ينتظر أن يشتعل المجلس غضباً. لكن العالم ابتسم بهدوء وقال: “إن كان ما قلتَ فيّ حقاً فغفر الله لي، وإن كان غير ذلك فغفر الله لك.” فسكت الرجل، وسكت المجلس، وشعر الجميع أن الكلمة الهادئة قد أغلقت باب فتنة كاملة.
لم يكن ذلك ضعفاً، بل حكمة ترى أبعد من لحظة الغضب.
وفي زماننا الحديث تتكرر المواقف ذاتها، وإن اختلفت الوسائل. فكم من خصومةٍ اشتعلت في مواقع التواصل بسبب كلمة، وكم من علاقةٍ انكسرت بسبب تعليقٍ عابر. ومع ذلك تظل القصص المضيئة موجودة. يُحكى أن شاباً تعرّض لحملة انتقاد قاسية في الإنترنت، وكان قادراً على الردّ بقوة، لكنه اكتفى بجملة واحدة كتبها: “اللهم أصلح بيني وبين من أساء إليّ.” وبعد أيام جاءه كثير من الذين هاجموه يعتذرون. لقد انتصر بصمته أكثر مما كان سينتصر بضجيجه.
وهنا تكمن السخرية الهادئة من ثقافة العصر؛ فنحن نعيش في زمن يظن فيه كثيرون أن الهيبة تُصنع بالصوت المرتفع، بينما الحقيقة أن أعظم الهيبة يولدها الهدوء.
إن القلب الذي امتلأ بمعرفة الله لا يضيق بكل كلمة، ولا يرتبك عند كل موقف، لأنه يعلم أن الله هو العدل الكامل، وأنه سبحانه لا يضيع عنده شيء. فإذا تنازل الإنسان عن بعض حقه ابتغاء وجه الله، فإن الله يفتح له أبواب عزٍّ أعظم وأبقى.
وهكذا يتحول التغافل من مجرد تصرف اجتماعي إلى عبادة قلبية، يتقرب بها الإنسان إلى ربه الكريم، الذي يحب العفو ويحب من عباده أن يتعاملوا بالرحمة واللين.
إن الحياة تصبح أخف كثيراً حين نتعلم هذه الحكمة البسيطة: ليس كل ما نراه يستحق أن نقف عنده، وليس كل ما نسمعه يستحق أن نحمله في صدورنا. فبعض الكلمات تمرّ كما تمرّ الغيوم، وبعض المواقف يكفيها أن نتجاوزها لتذوب وحدها.
وهكذا يعيش الإنسان الكريم بعقلٍ هادئ وقلبٍ واسع، يعرف أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُدوَّن في دفاتر الجدال، بل تلك التي تُحفظ في ميزان الله.
الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438
Radi1444@hotmail.com


