cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

لماذا لا تعلمنا الجامعات كيف نصنع المال بدلا من ان تعلمنا كيف نتسول المال بالبحث عن الوظيفة عند من يصنع المال بدلا منا.

​هل أضاعت الجامعة الأوروبية البوصلة وأضاعت خلفها طموحات الشباب؟
هل نتخرج لنبتكر أم لنصبح نسخاً مكررة؟

كيف تصنع المال بدلا من ان تتسوله عبر الوظيغة وتاخذ تعب غيرك.

​لن تصبح مبتكراً حتى تكون مختلفاً، وليس نسخة من أحد. فالهدف من التعليم ليس التعليم، بل الابتكار، وخلق خريج يصنع الفرص وليس ممن يطاردونها.

الجامعات الاروبية تخغق في:
صناعة الرجال، صناعة القادة، صناعة المبتكرين، صناعة المختلف، لا صناعة النسخ المكررة.
​شاهدتُ أحد الطلاب يلقي كلمة عن الخريجين في حفل تخرج في ملعب كرة قدم في دولة أوروبية، حضره أكثر من ٣٠ ألفاً من أسر الخريجين فرحين بهذه اللحظة التاريخية. وأنا أشاهد هذا المنظر المهيب من أعداد الخريجين وأسرهم الذين يعلقون عليهم آمالهم في أن يكونوا صناع المستقبل، وفي خضم هذا المشهد الرائع والاحتفال، صدع صوت هذا الطالب في أرجاء الملعب وبعد كل جملة جميلة ينطقها يقاطعه الحضور بالتصفيق.
​لابد أنه قد تم اختيار هذا الطالب ليلقي الكلمة بعد تمحص وتفحص وتجارب أداء أثبت خلالها أنه الشخص المناسب. ولابد أن الذي صاغ هذه الكلمة قد بذل جهداً عظيماً في صياغتها لكي تكون بمستوى الحدث وتبهر المستمعين والحضور. وبعد تقديم التحية على الحضور، بدأ بأولى كلماته بالإنجليزية صادحاً:
“We learned such and such from our professors”
أي: “تعلمنا من أساتذتنا كذا وكذا”، وتعلمنا منهم كذا وكذا، وتعلمنا كذا وكذا! وأخذ يسرد كيف استطاع الأستاذ أن يصب شخصيته صباً في هذا الشاب لينسخ منه نسخة ثانية.
​هنا استوقفني هذا الكلام الذي خرج عفوياً من كاتب هذه الكلمة، ولا أدري هل الذي كتبها أحد الأساتذة أم الطالب؛ فهذا لا يهم لأن كلاهما عندي واحد ماداما أنهما نسخة من أصل واحد. هذا الطرح يلمس بدقة الجرح الغائر في منظومة التعليم التقليدية؛ فلم أكن أشهد مجرد حفل تخرج، بل شهدت “خط إنتاج” يقوم بتكرار النسخ، بدلاً من حاضنة تطلق المبدعين. في تلك اللحظة المهيبة التي كان يُفترض أن تكون إعلان استقلال فكري للشاب، تحولت إلى شهادة “إعادة إنتاج” للماضي؛ لأنها تُلخص أزمة جيل كامل.

​فخ “النسخ اللفظي” والتبعية الفكرية يتجلى عندما قال الطالب “تعلمنا وصُبّت فينا شخصية الأستاذ”؛ هو لم يكن يمدح الجامعة -من حيث لا يدري- بل كان يُعلن عن نجاح عملية القولبة. الأصل أن يكون الأستاذ جسراً يعبر عليه الطالب نحو فكرِه الخاص، لكن الواقع المشهود يرينا كيف تحول الأستاذ إلى قالب صبّ جامد، يُخرج طلاباً يحملون إجابات الأمس لأسئلة الغد. فإذا كان صانع الفخار يصنع مئة جرة من نفس القالب، فلن نجد جرة واحدة مميزة أو مختلفة؛ الجامعة اليوم تفعل الشيء نفسه، تصنع عقولاً متطابقة كعلب السردين!
​كنت أتمنى أن أرى طالباً يقول: (أنا هو أنا) ولست نسخة من أحد (أنا مختلف). كان يجب أن يبرز في هذه الفرصة التاريخية للعالم أن الجامعة لم تنسخ أفراداً من قالب واحد. كان من المفترض أن يسرد كيف كان نسخة من مجتمع وأصبح بعد الجامعة شخصاً مختلفاً؛ شخصاً يصنع المبادئ وليس يتعلمها من أستاذه. هل يعقل أن تقضي أربع سنوات في الجامعة وأنت تتعلم قواعد الآخرين دون أن تبني قواعد جديدة تغير بها العالم من حولك، وتغير بها حياتك من الفقر إلى الثراء؟ من الظلم لنفسك أن تتخرج من الجامعة وأنت تتعلم شيئاً موجوداً ولا تضيف أنت ما هو مختلف. أنت هنا تتعلم لكي تتعلم، وليس تتعلم لكي تكون مختلفاً عن أستاذك.

​البوصلة المفقودة هنا يأتي السؤال: محاكاة المعرفة أم صناعة الفرص؟ فالتعليم الحالي يعيش على وهم أن “المعرفة قوة”، بينما في عصر الذكاء الاصطناعي ووفرة المعلومات، المعرفة المكررة أصبحت بلا قيمة مادية. عصر الذكاء الاصطناعي أعدم “حشو الأدمغة”،”الهدف من التعليم ليس حشو الأدمغة بما هو معروف، بل تمكين الفرد من خلق ما هو غير موجود.” إذا قضى الطالب 4 سنوات ليتعلم كيف يطارد وظيفة قائمة بالفعل، فهو لم يتعلم؛ بل تم تدريبه على التبعية. الجامعة الحقيقية هي التي تخرج شاباً يدخل السوق فيقول: “هذه الثغرة لم يلتفت إليها أساتذتي، وسأقوم بسدّها بابتكاري”.

​وتأخذنا هذه المعضلة إلى “الأستاذ الذي لم يخترع مسماراً”. تخيل لو كان كل الطلاب الذين يتخرجون من الجامعة نسخة من أساتذتهم كيف سيتطور المجتمع ويصبح هناك مخترعون؟ وأستاذك الجامعي له عشرون سنة ولم يخترع ولو مسماراً، فقط يعلّم يعلّم يعلّم ما هو موجود. وفي النهاية ماذا نريد من التعليم إذا كان التعليم يخرج طلاباً يعلمون ما هو معروف ولا يستفيدون منه في تحسين حياتهم المادية؟ التعليم ليس هو الهدف، الهدف ماذا سيحقق لي هذا التعليم من الرفاهية في معيشتي والاستغناء عن مطاردة الوظيفة كأنني متسول أنيق.
​هذه مقارنة قاسية لكنها حقيقية وصادمة. كيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟ إذا كان الأكاديمي يدور في حلقة مفرغة من تلقين المناهج دون ممارسة حقيقية للاستثمار، أو الابتكار، أو تغيير واقعه المادي، فكيف سيُعلم الطالب صناعة الثروة والرفاهية؟ النتيجة تكون: خريج يملك شهادة كرتونية، وعقلية بائسة تنتظر “الأمان الوظيفي” بدلاً من المغامرة والابتكار.
​وهنا يتضح لنا الفارق الجوهري بين نموذجين: من يتخرج ليتعلم.. ومن يتخرج ليتغير ويبتكر؟
فمن جهة، نجد خريج “القالب المنسوخ” الذي يرى أن الهدف من الجامعة هو الحصول على شهادة والثناء على الأساتذة، وتقتصر علاقته بالمعرفة على أنه مستهلك ومردد لما هو موجود، لينتهي به المطاف في نظرته للمستقبل وهو يطارد الفرص المتاحة كباحث عن وظيفة. وفي المقابل، نجد خريج “المبتكر المختلف” الذي يرى الهدف هو بناء قواعد جديدة وتغيير حياته من الفقر إلى الثراء، ويكون في علاقته بالمعرفة صانعاً لقواعد السوق ومضيفاً لشيء مختلف، وفي نظرته للمستقبل يصبح شخصاً يصنع الفرص لنفسه ولغيره كإنسان مبتكر ورائد أعمال.

​كلمة أخيرة.. هل ضاعت البوصلة فعلاً؟
للأسف إذا كانت هذه عقلية هذا الطالب الأوروبي المتحدث الذي يعتبر أفضل ما هو موجود عندهم، فقد تكون الجامعة أضاعت البوصلة وأضاعت معها مستقبل الشباب. نعم، الجامعة التي تصفق للطالب “النسخة” هي جامعة أضاعت البوصلة وتعيش في القرن الماضي. الرفاهية المادية والابتكار لا يأتيان من السير خلف القطيع، بل من امتلاك الشجاعة للوقوف في وسط الملعب وأمام 30 ألف شخص للقول: “أنا هو أنا.. جئت هنا لأغير العالم باختراعاتي، لا لأكرر ما فعله أساتذتي”.

ما الذي كان يجب أن يقوله ذلك الطالب في الملعب؟
​كان من المفترض أن يقف ليقول:
​”شكراً لأساتذتي لأنهم أعطوني الأدوات، ولكنني أقف هنا اليوم لأعلن أنني سأكسر القوالب التي علموني إياها، سأذهب للسوق لأصنع قواعدي الخاصة، لأبتكر ما لم يستطع أساتذتي ابتكاره، جئت لأصنع الفرص لا لأطاردها”.

د. حسين العسيري.
طبيب وخبير ذكاء اصطناعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى