cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

المقهى الذي يكتظُّ بالغائبين…!!

✒️ _ راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

حين يُغلق الله أبواباً ظننا أن قلوبنا ستضيع خلفها، يفتح بلطفه أبواباً أخرى تجعلنا نكتشف أن الحافظ الحقيقي للإنسان هو الله، وأن الراحلين يذهبون، أما رحمته فتبقى، وأما عنايته فلا تغيب.

“لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنه الجميع فارغاً، لكنه يغص بالغائبين.”

هكذا قال محمود درويش، وكأنه لم يكن يتحدث عن مقهى صغير في زاوية شارع، بل عن القلب الإنساني نفسه.

فكم من إنسان يجلس وحده على طاولة لا يشاركه فيها أحد، بينما يحتشد حوله جيش كامل من الوجوه القديمة والأصوات البعيدة والضحكات التي انطفأت والأيام التي عبرت دون أن تعود.

الغريب أن الناس ينظرون إلى الكرسي الخالي فيرونه فراغاً، بينما يرى صاحب الذكرى فيه إنساناً كاملاً.

يرون الطاولة صامتة، بينما يسمع هو عليها حوارات انتهت منذ سنوات.

يرون فناجين القهوة، بينما يرى هو أعماراً كاملة ذابت فيها.

ولعل من طرائف الحياة الساخرة أن الإنسان كلما تقدم في العمر أصبح أشبه بأمين مكتبة ضخمة لا يزورها أحد سواه.

يحمل في داخله آلاف الملفات القديمة، وأسماء لم تعد تُذكر، ووجوهاً اختفت من المشهد، لكنه ما زال يحتفظ لها بمقاعدها في ذاكرته.

ولهذا كان بعض الحكماء يقولون إن الذاكرة هي المكان الوحيد الذي لا يحتاج إلى تأشيرة دخول.

كل من أحببناهم يقيمون فيها بلا إيجار، وبعضهم يبقى فيها رغم أننا نحاول إخراجه منذ سنوات.

لكن المؤمن ينظر إلى الأمر من زاوية أوسع وأجمل.

فالله جل جلاله لم يخلق الإنسان ليعيش أسيراً للماضي، ولم يجعل الذكريات سجناً أبدياً، بل جعلها جزءاً من الرحلة.

قال الله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

فكم من غياب ظنناه نهاية الحياة فإذا به بداية النضج.

وكم من فراق حسبناه هلاكاً فإذا بالله يجعل فيه نجاة لا نراها إلا بعد أعوام.

ومن أجمل ما يروى أن أحد التابعين فقد صديقاً عزيزاً لازمه سنوات طويلة، فكان كلما مر بمكان جمعهما تأثر وحزن، حتى قال له أحد الصالحين: إن كنت تحزن لأن الله أخذ منك صحبته، فافرح لأن الله هو الذي وهبك تلك الصحبة أصلاً.

كانت جملة بسيطة، لكنها أعادت ترتيب الكون في قلبه.

فالمؤمن لا ينظر فقط إلى ما فاته، بل ينظر إلى نعمة أنه عاشه أصلاً.

وهنا يتجلى الفرق بين الامتنان والحسرة.

الحسرة تعدّ ما فقدته.

أما الامتنان فيعدّ ما أعطاك الله.

ولهذا كان الفيلسوف الروماني سينيكا يقول: “ليس الفقير من يملك القليل، بل من يشتهي الكثير.”

وأستعير منه المعنى لا المرجعية، لأن المؤمن يعلم أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس الذي يغرسه الله في القلب.

وفي الحديث الشريف قال رسول الله ﷺ:

«ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» متفق عليه.

ومن عجيب المفارقات أن بعض الناس يملكون مجالس مزدحمة، لكنهم يعيشون وحدة قاتلة.

وبعضهم يجلس وحده في مقهى صغير، لكنه يشعر أن العالم كله يمر بجواره.

فالإنسان لا يُقاس بعدد من حوله، بل بعمق ما يحمله داخله.

وقديماً قال الإمام الشافعي رحمه الله: “من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته.”

ويمكن أن نضيف بلغة عصرنا: ومن عرف الله حق المعرفة اتسعت روحه حتى لا تقتلها الغيابات.

فالله سبحانه هو الباقي حين يتغير كل شيء.

وهو الكريم الذي إذا أغلق باباً بحكمته فتح أبواباً من لطفه.

وهو الرحيم الذي يربط على القلوب المنكسرة بطرائق لا تخطر على بال.

ولذلك فإن أجمل ما يفعله الإنسان مع ذكرياته ألا يحاربها، وألا يعبدها.

لا يحاول دفنها كلها، ولا يسمح لها أن تدفن حاضره.

يجلس معها كما يجلس مع ضيف قديم.

يرحب به.

يتذكره.

ثم يودعه بلطف.

ويمضي.

لقد فهم الحكماء متأخرين ما يفهمه المؤمن مبكراً؛ أن الحياة ليست جمعاً للأشخاص بقدر ما هي رحلة إلى الله.

وأن الناس مراحل جميلة في الطريق، لكن الغاية الكبرى أبقى وأعظم.

ولهذا فإن المقهى الذي يكتظ بالغائبين ليس مكاناً للحزن كما نظن.

بل قد يكون درساً هادئاً في الامتنان.

تذكرة بأن الله منحنا لحظات جميلة ثم كتب لها أن تنتهي.

وتذكرة بأن أعمارنا مهما امتلأت بالراحلين فإن قلوبنا لا تزال قادرة على استقبال أيام جديدة.
فإذا جلست يوماً وحيداً أمام فنجان قهوتك، وشعرت أن المقاعد حولك ممتلئة بأشباح الذكريات، فلا تحزن كثيراً.

ابتسم.

واشكر الله على كل وجه مر بحياتك وترك فيها أثراً طيباً.

واشكر الله على كل باب أغلقه بحكمته.

واشكر الله على كل طريق صرفك عنه برحمته.

ثم ارفع رأسك قليلاً.

فالحياة لا تزال تكتب فصولها.

والله سبحانه لم يترك عباده في منتصف الطريق قط.

وما دام العبد مع الله، فلن يكون وحيداً وإن جلس في أكثر المقاهي ازدحاماً بالغائبين.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى