cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

تتغير الأدوات وتبقى مكة عصيّة على العدوان

بقلم ــ د. محمد فضل محمد

عبر التاريخ، حاول معتدون النيل من مكة المكرمة وحرمة بيت الله الحرام؛ اختلفت الأزمنة، وتبدلت الرايات والأدوات والدوافع، لكن بقي المشهد واحدًا في جوهره: يد تمتد بالسوء إلى أقدس بقاع المسلمين، وبيت يبقى شامخًا، تتجه إليه القلوب والوجوه مهما تعاقبت المحن.
واليوم يعيد الحوثيون إلى الأذهان تلك الصفحات المؤلمة بمحاولة عسكرية باتجاه مكة المكرمة، في تعدٍّ خطير واستفزاز لمشاعر أكثر من مليار مسلم. ومهما كانت حسابات الصراع، فإن تعريض مكة وقاصديها للخطر لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي أو مواجهة عسكرية؛ لأن مكة ليست مدينة عادية، وإنما قبلة أمة ومهوى أفئدتها.
لقد قصّ علينا القرآن خبر أبرهة وأصحاب الفيل، حين خرج بجيشه يريد هدم الكعبة، فخلّد الله مصيره بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾.
وفي التاريخ الإسلامي جاءت صفحة القرامطة سنة 317هـ، فاقتحموا مكة في موسم الحج، وقتلوا من الحجاج، وانتهكوا حرمة المسجد الحرام، واقتلعوا الحجر الأسود وحملوه بعيدًا عن الكعبة سنوات. ثم انطوت صفحتهم، وعاد الحجر إلى موضعه، وبقي البيت، وبقي الحج والطواف، وبقيت أفئدة المسلمين تهوي إلى مكة.
ولا يعني استحضار أبرهة والقرامطة أن الأحداث متطابقة في دوافعها وحجمها ونتائجها؛ فلكل واقعة سياقها. وإنما الرابط بينها هو خطورة توجيه العدوان نحو الحرم أو تعريضه وقاصديه للخطر، وهي حرمة لا تتغير بتغير الفاعلين ولا بتغير أدوات الحرب.
لقد جاء أبرهة بالفيل، وجاء القرامطة بالسيوف، واليوم أصبحت أدوات الحرب مسيّرات وصواريخ؛ تغيرت الوسائل، لكن مكة بقيت مكة: البلد الحرام الذي عظّم الله حرمته، فقال سبحانه: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة». فحرمة مكة لم تمنحها دولة ولا سلطة سياسية حتى تكون خاضعة لموازين السياسة؛ إنها حرمة ربانية باقية إلى يوم القيامة.
ومن دلائل تعظيم شأن هذا البيت ما أخبر به النبي ﷺ عن جيش يقصد البيت، فإذا بلغ البيداء خُسف به. فالرسالة التي تحملها النصوص واضحة: إن قصد البيت الحرام بالعدوان أمر عظيم عند الله، وإن لهذه البقعة حرمة ليست لسواها.
والحفظ الإلهي لمكة لا يعني أنها لم تتعرض عبر التاريخ لاعتداء أو فتنة؛ فقد وقعت فيها أحداث جسام، وإنما بقي البيت رغم ذلك، وبقيت شعائره، وبقيت حرمته، وبقي الحج والطواف، بينما ذهب الذين أرادوا النيل منه وبقيت أفعالهم صفحات سوداء في ذاكرة التاريخ.
ومن هنا تأتي جسامة المحاولة الحوثية؛ فما كان ينبغي، مهما اشتدت الحرب واتسعت الخصومة، أن تصبح مكة أو أجواؤها أو قاصدوها في دائرة الخطر. فهناك حدود ينبغي أن تقف عندها كل الخصومات، وفي مقدمتها حرمة بيت الله الحرام وسلامة الحجاج والمعتمرين وسكان البلد الحرام.
وقد أفشلت المملكة العربية السعودية المحاولة قبل بلوغ مكة، ونقف معها في حماية الحرمين الشريفين وصون أرواح المواطنين والمقيمين وضيوف الرحمن؛ فأمن مكة ليس شأنًا سعوديًا فحسب، بل يمس المسلمين جميعًا.
إن التاريخ يحمل رسالة لا تخطئها العين: ذهب أبرهة وبقي البيت، وذهب القرامطة وعاد الحجر إلى موضعه وبقي البيت، وتعاقبت المحن وبقيت مكة قبلة المسلمين.
فليقرأ كل من يجعل مكة جزءًا من حسابات الصراع هذه الحقيقة جيدًا: مكة أكبر من الخصومات، وأقدس من أن تكون ورقة في معركة، وأعظم حرمة من أن تُعرَّض حياة قاصديها للخطر.
حفظ الله مكة والمدينة، وحفظ الحرمين الشريفين وقاصديهما، وحفظ المملكة العربية السعودية وشعبها من كل سوء، وردّ كيد كل من أراد ببلاد الحرمين وأهلها شرًا.
تتغير الأدوات، وتتبدل الرايات، ويرحل المعتدون؛ وتبقى مكة، ويبقى البيت العتيق، وتبقى أفئدة المسلمين تهوي إليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى