cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

رحل أبو عبد الله وبقي الأثر

بقلم أ ــ محمد بن عبدالعزيز الحارثي

كلما تقدم بي العمر زادت في القلب مساحات الغياب وكثر من أفقدهم من الأقارب والأحباب، أمضي في هذه الحياة بحلوها ومرها راضيا بقضاء الله وقدره مجاهدًا نفسي لرضاه سبحانه وتعالى مؤمنا بأن ” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”؛

فقدت الكثير من الأحبة إلا أن شيئا من أرواحنا يبقى معلقًا بمن رحلوا نتذكرهم وندعوا لهم؛ ومن الرجال الذين عرفتهم رمز الوفاء والكرم والغيرة المحمودة الأخ والصديق والحبيب: حسين بن عبدالله بن جمعان العطاوي الحارثي؛ هذا الرجل غاب بجسده وروحه إلى أرحم الراحمين لكن مواقفه ووصاياه بقيت وستظل معي ما بقيت في هذه الحياة.

أبو عبدالله ألفيته كبيرًا في أخلاقه ووفائه وغيرته وتوحيده بإرجاع الأمر كله لله؛ كان كريمًا يحفظ الود ويعرف لأهل المودة قدرهم ولا يجعل علاقته بالناس رهينة لمصلحة عابرة؛

من مواقفه التي أذكرها له وتجعلني أسعى لأبذل ما أستطيع ليستمر عمله بعد وفاته رحمه الله؛

كنت ألقاه أحيانًا مصادفة في جامع الراجحي، فلا أراه ممن يأتي لأداء الفريضة ثم يمضي، بل رأيته يشهد جنائز المسلمين ويصلي عليها، أحسبه ولا أزكي على الله أحدا يطلب قيراطا من الحسنات مثل جبل أحد كما قال صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط».

ورأيته بعد الصلاة ينتظر مجالس الذكر، بينما ينصرف الناس إلى أشغالهم ويبقى هو ومن معه ممن يرجون ما عند الله من أجور عظيمة خصصها سبحانه لأرباب هذه المجالس.

رحم الله أبا عبدالله فقد كان غيورًا على محارم الله، محبًّا للستر والحياء والعفاف. كنت أكتب أحيانًا في هذه المعاني بعض الخواطر والمقالات، فإذا انقطعت أو تأخرت تواصل معي معاتبًا: لماذا لا تكتب أكثر؟ لعل الله أن ينفع بما تكتب.

كنت أرى في كلماته غيرة رجل يريد العفة والفضيلة أن تسود، ويؤلمه أن يرى الحياء يضعف أو حدود الله تنتهك وكأن لسان حاله يقول كما قال صلى الله عليه وسلم ” إنّ الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمنُ ما حرّم الله “

إنّ الغيرة المحمودة المنضبطة بضوابط الشرع إذا غرست في المسلم منذ الصغر ونشأ وتربى عليها نتج عن ذلك مسلمًا غيورًا على دينه وأهله ووطنه وعلمائه وولاة أمره.

رحمك الله أبا عبد الله فقد أبقيت لي عندما زرتك في المستشفى وصية لن أنساها.

زرته قبل وفاته بليلة برفقة أحد المشايخ. دخلنا نظن أننا ذاهبان إلى رجل أثقله المرض، فنصبره ونذكره ونقوي قلبه.

ذهبنا لنصبّره… فإذا به هو الذي صبّرنا بكلمات الموحد المؤمن بالله.

ذكر الشيخ في أثناء الحديث كلامًا لأحد أهل العلم، فقال أبا عبدالله رحمه الله كلامًا لا يزال صداه في أذني:

«من أراد أن يتحدث عن دين الله، فليكن أول الكلام: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم».

كان في مرضه، والدنيا توشك أن تطوي آخر صفحاتها معه، متعلقًا بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. وكأنه شعر بأن الأجل قد قرب وكأن لسان حاله يقول: عظّموا الوحي، وردّوا الأمر إلى الله ورسوله، وأجلّوا العلماء وانتفعوا بعلمهم، ولكن اجعلوا الأصل دائمًا: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خرجت من عنده انا والشيخ تلك الليلة وأنا أشعر بأننا دخلنا لنقدم له شيئًا، فأعطانا هو شيئًا أثمن. أردنا أن نصبره فصبّرنا، وأردنا أن نذكره فذكّرنا، وأردنا أن نقوي قلبه فترك في قلوبنا درسًا لن ننساه.

رحمك الله أبا عبدالله وغفر لك ويمن كتابك ويسر حسابك ورزقك الفردوس الأعلى من الجنة.

اللهم أبدل كرمه ووفائه وإحسانه وبره في دنياه بنعيم الجنّة في قبره، واجعل خطواته إلى المساجد، وصلاته على جنائز المسلمين، وجلوسه في مجالس الذكر، ونصحه وحرصه على الحياء والعفاف نورًا يجده عندك يوم يلقاك.

اللهم اجمعنا به في الفردوس الأعلى من جنتك برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وارزقنا وإياه أعظم نعيم أهل الجنة: لذة النظر إلى وجهك الكريم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى