قياس الأثر.. هل نحتاج إلى إعادة البوصلة؟
بقلم/ مشاري محمد بن دليلة كاتب في الشؤون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية
إن مفهوم قياس الأثر بدأ ظهوره في أمريكا عام 1969م في قانون السياسة البيئية الوطنية حيث كانت تُقاس الآثار البيئية للأعمال، حتى عام 1973م عندما أُنشئ خط أنابيب في ألاسكا ولوحظت تغيّرات في عادات السكان واتضحت أهمية تقييم العوامل الاجتماعية والبيئية، من هنا وُلد تقييم الأثر الاجتماعي (SIA)، وفي بداية التسعينيات بدأ المانحون يسألون عن تأثير أموالهم، وفي منتصف التسعينيات أنشأ جورج روبرتس مؤسسة خيرية لمراقبة العوائد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لاستثماراته الخيرية،ووثّق منهجيته عام 2000م (SRIO)،وبدأت القضية تتنامى في الأوساط الغربية ونشر الأدلة والاعتمادات،وظهرت سلسلة الأثر ونظرية التغيير والمقاييس،(كما ورد في بحث أماني الشهري،2021) حول الاستثمار الاجتماعي في القطاع غير الربحي، والغربيون ينظرون بمنظار الربح والخسارة، أنفقت مالًا، كم عاد عليّ بربح اجتماعي،وانتقل هذا المفهوم إلى الدول الإسلامية في العقد الماضي،وبدأت تعلو لغة الأثر والتساؤلات التي لا تنتهي، تأملت في القرآن والسنة ولم أجد أن النصوص جعلت قياس الأثر معيارًا للحكم على قيمة الإنفاق، بل كانت تحث على الإنفاق وقضاء حوائج الناس على وجه العموم وتربط العطاء بالأجر وابتغاء رضوان الله، وهو العائد على المنفق، فكل فعل خير يقضي حاجة المسلم ويحسن من جودة حياته ويعينه على الطاعة فهو من مقاصد الشريعة، ونهت عن المنّ والأذى، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم«أنفق يا ابن آدم ينفق الله عليك»،«مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ»،«رجل تصدق بيمينه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»،قول الله تعالى﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾وغيرها، إن قياس الأثر وسيلة لمعرفة النتائج وتوجيه الموارد، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول إلى المعيار الوحيد للحكم على قيمة العطاء، فيصبح المانح لا ينظر إلى حاجة الإنسان إلا من خلال ما يمكن قياسه من أثر، وهنا قد تضيق أبواب الخير دون أن نشعر، فقد تكون هناك حاجة إنسانية عاجلة لا تملك مؤشرات أثر واضحة، كمستفيد كبير في السن، أو مريض، أو أسرة محتاجة، فيتردد المانح في مساعدتهم لأنه لا يرى أثرًا كبيرًا وفقًا لمقاييس الأثر، بينما قد يكون هذا العطاء عظيمًا عند الله، وننسى أن رجلًا دخل الجنة بسبب غصن شجرة أزاله عن الطريق، وأن امرأة بغيًا سقت كلبًا فغفر الله لها، فليست قيمة كل عمل صالح في حجم أثره الظاهر، فقياس الأثر قد يكون مناسبًا على مستوى الدول لدراسة القضايا والبرامج التنموية وتحسين كفاءة الإنفاق، أما أن يصبح معيارًا وحيدًا لكل منحة وحاجة فردية فهذا يحتاج إلى تأمل وإعادة البوصلة، فنحن لا نرفض قياس الأثر وإنما نضعه في مكانه الصحيح، فالعطاء في الإسلام أوسع من ذلك كله، والمانح حين ينفق لا يبحث فقط عن أثر يظهر في تقرير أو تحسنًا يظهر على المستوى القريب أو البعيد، وإنما ينفق يبتغي الأجر من الله، وقد يكون أعظم أثر لذلك العطاء أثرًا لا يظهر في التقارير وإنما يظهر عند الله.
23/8/2026


