cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

أبناء المانحين.. الاستثمار الذي يضمن استدامة العطاء

بقلم/ مشاري محمد بن دليلة
كاتب في الشؤون الاجتماعية والثقافية

في السنوات الأخيرة، حقق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تطورًا ملحوظًا، مدفوعًا بمستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت هذا القطاع اهتمامًا كبيرًا، سواء من خلال تعزيز الاستدامة المالية، أو رفع مساهمته في الناتج المحلي، أو توسيع أثره التنموي، ومع هذا النمو، أصبحت الجمعيات والمؤسسات غير الربحية أكثر احترافية في استقطاب المانحين وبناء الشراكات، إلا أن هناك جانبًا لا يزال بحاجة إلى اهتمام أكبر، وهو الاستثمار في أبناء المانحين.
اطلعت مؤخرًا على تقرير متميز بعنوان Next Gen Donor Learning، تناول تجربة عملية امتدت لسنوات في إعداد الجيل القادم من المانحين، وأكثر ما لفت انتباهي أن التقرير لا ينظر إلى أبناء المانحين بوصفهم ورثة للثروة، بل بوصفهم ورثة لرسالة العطاء، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بتأهيلهم، وتعليمهم، وإشراكهم في العمل الخيري منذ وقت مبكر.
لقد اعتادت كثير من الجهات الخيرية على التركيز في بناء العلاقة مع المانح نفسه، بينما يغيب الاهتمام بالجيل الذي سيتولى مستقبلًا إدارة تلك الثروة واتخاذ قرارات العطاء، ومع انتقال الثروات بين الأجيال خلال العقود القادمة، فإن المحافظة على استدامة العلاقة مع الأسر المانحة لن تتحقق إلا إذا امتدت هذه العلاقة إلى الأبناء والبنات، وغُرست فيهم قيم المسؤولية الاجتماعية، وفهم الاحتياجات المجتمعية، ومهارات اتخاذ القرار في العمل الخيري ،ويؤكد التقرير أن أبناء المانحين لا يبحثون عن المحاضرات التقليدية، بل يفضلون التعلم من خلال التجربة؛ عبر الزيارات الميدانية، والعمل التطوعي، والالتقاء بالمستفيدين، والمشاركة في تقييم المبادرات، والتعلم مع أقرانهم، فهذه التجارب تصنع مانحًا أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على توجيه عطائه نحو أثر مستدام.
ومن هنا أرى أن البيئة السعودية مهيأة لتبني هذا التوجه، خصوصًا في المؤسسات المانحة، والأوقاف، والجمعيات الكبرى، ويمكن البدء بخطوات عملية، مثل إنشاء برامج لأبناء المانحين، وتأسيس مجالس شبابية للعطاء، وتنظيم زيارات للمشروعات التنموية، وإشراك الأبناء تدريجيًا في بعض اللجان والبرامج، إلى جانب تصميم مبادرات عائلية تعزز ثقافة العطاء عبر الأجيال، إن نجاح القطاع غير الربحي لا يقاس بعدد المانحين الحاليين فقط، بل بقدرته على إعداد المانحين المستقبليين، فالمال قد ينتقل بالإرث، أما ثقافة العطاء فلا تنتقل إلا بالتربية، والتعليم، والممارسة، والقدوة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل مؤسسة غير ربحية اليوم هو: هل نبني علاقات مع المانحين فقط، أم نبني الجيل الذي سيحمل رسالة العطاء من بعدهم؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تكون أحد أهم مفاتيح الاستدامة المالية للقطاع غير الربحي في المملكة خلال العقود القادمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى