“إلى الذين أضاءوا دربي”

بقلم خالد الحربي
أتيت إليكم وقد عبرتُ طريقًا وعِرًا، حيث تركتُ خلفي وعكةً أرخت بثقلها على أيامي، وقلقًا كان يطرق أبواب روحي. كنت أظن أنني لن أجد مثل أولئك الذين أحاطوني يومًا، لكنني حين جئت إليكم وجدتُ قلوبًا أخرى، طيبةً كالماء، نقيةً كالنور.
كنتُ ودودًا معكم، وكنتم أكثر ودًّا، كنتُ أحاول أن أكون العون حين تحتاجون، وكنتم دائمًا السند دون أن أطلب. سنوات مضت سريعًا، ضحكاتُنا كانت عنوان الأيام، والمزاح ظلّ يخفّف وطأة التعب، حتى خُيّل إليّ أن الزمن يتسابق معنا، لا ضدّنا.
ثم جاءت العاصفة… أقسى من سابقتها، فأيقنتُ أنني قد أكون وحيدًا، لأنني كنت أظن أن الأخوة لا تتكرر، لكنكم أثبتم لي أن النقاء لا يعرف مكانًا واحدًا، وأن الصدق يجتذب القلوب الطيبة، حيثما حلّ.
انهالت رسائلكم، تحمل دفءَ السؤال، وصادق الدعاء، وكنتم أنتم أكثر شوقًا لعودتي من نفسي، كنتم تخافون عليّ أكثر مما كنت أفعل. وكنتُ رغم ضعفي أحاول أن أعود سريعًا، لأكون بينكم كما عهدتموني. وفي كل أسبوع، كانت تصلني كلماتكم: “لا تقلق، كل شيء تحت السيطرة، فقط تعافَ وعد إلينا.”
تعلمتُ منكم أن جمال الإنسان لا يُقاس بما يملك، ولا بما يقول، بل بما يتركه من أثرٍ في قلوب من حوله، وقد تركتم في قلبي أثرًا طيبًا سيبقى ما بقي العمر، وستظلون من أجمل نعم الله التي مرّت في إحدى محطات حياتي.
وها أنا اليوم أودع واحدةً من أجمل محطات حياتي، لأمضي إلى محطةٍ أخرى كتبها الله لي. فالحياة لا تقف عند محطة، والأقدار تمضي بنا حيث شاء الله، لكن بعض المحطات تبقى خالدةً في الذاكرة، لا يغيب أثرها مهما امتد بنا الطريق.
ورحيلي ليس آخر العهد بيننا، فما زالت القلوب تتلاقى وإن باعدت بينها المسافات.
فأنتم لا تزالون في القلب، ولن يكون هذا الوداع آخر عهدي بكم، بل ستبقون حاضرِين في الدعاء والذكرى. وأسأل الله أن يجمعني بكم في جنات النعيم، كما جمع بيننا في هذه الدنيا على المحبة والإخاء وصفاء القلوب.
وستبقون الذكرى الأجمل في حياتي، والصفحة التي كلما مررت بها، ابتسم القلب قبل أن تدمع العين.
شكرًا من الأعماق، والشكر وحده لا يكفي، لكنه الحيلة الوحيدة لمن لا حيلة له. شكرًا لأنكم كنتم النور الذي أضاء طريقي، وأسأل الله أن يحفظكم، ويبارك لكم، وأن يجعل لنا لقاءً لا يعقبه فراق، في دارٍ لا رحيل بعدها.



