cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

ما الذي يفعله عدم اليقين بفرق العمل؟ اختبار جديد لقيادات الشركات

ماهيش شاهـدادبوري، رئيس مجلس إدارة مجموعة تاسك للتوظيف

لم يعد عدم اليقين مجرد تحدٍ تشغيلي تواجهه الشركات، بل أصبح عاملاً يؤثر بشكل مباشر في أداء فرق العمل وقدرتها على التركيز واتخاذ القرارات، ففي بيئة الأعمال المتسارعة في دول مجلس التعاون الخليجي، قد تتغير الأولويات والخطط خلال فترات قصيرة، بينما يُطلب من الموظفين الاستمرار بالمستوى نفسه من الكفاءة وسط غياب الرؤية الواضحة.

وهنا يظهر تحدٍ لا يحظى دائماً بالاهتمام الكافي: كيف تحافظ الشركة على ثقة موظفيها وتركيزهم عندما يصبح التغيير هو القاعدة لا الاستثناء؟

فعندما تستمر حالة «عدم اليقين» لفترة طويلة، تظهر آثارها بطرق خفية؛ إذ يصعب الحفاظ على التركيز، وتتباطأ عملية اتخاذ القرار، وقد تنحرف المحادثات الجانبية نحو التكهنات بدلاً من الوضوح. وهنا يأتي دور القيادة للتدخل، ليس فقط لإدارة العمليات، بل للحد من انعكاسات عدم اليثين على التركيز، وجودة القرارات، والارتباط الوظيفي، والثقة داخل المؤسسة.

عندما يتحول عدم اليقين إلى ضغط يومي؟

في بداية أي أزمة أو اضطراب، غالباً ما تستجيب فرق العمل بعزيمة وروح جماعية عالية. بيد أن التحدي الأكبر يظهر عندما يطول أمد حالة «عدم اليقين»؛ حيث يمتص الموظفون ضغوطاً مستمرة من خارج بيئة العمل، سواء كانت ناجمة عن تغير الروتين، أو المخاوف الاقتصادية، أو المسؤوليات العائلية، أو الإجهاد العام الذي يفرضه غياب الرؤية الواضحة. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الضغوط وتبدأ في النيل من الأداء.

وتشير أبحاث مؤسسة «غالوب» إلى أن حوالي 44% من الموظفين حول العالم يعانون من ضغوط نفسية كبيرة في العمل خلال اليوم العادي، وتتفاقم هذه الضغوط في فترات التقلبات. وبالنسبة للمنظمات، يتجلّى هذا الأثر في مستويات الارتباط الوظيفي، وكفاءة التعاون، وسرعة اتخاذ القرارات؛ فالإجهاد يقلص نطاق الانتباه، ويدفع الفرق للتركيز على المشكلات الآنية بدلاً من التفكير الإستراتيجي طويل المدى. وفي مثل هذه الفترات، تكتسب سلوكيات القيادة أهمية استثنائية.

التواصل.. الأداة الفعالة لملء الفراغ المعلوماتي

من أبرز السمات المشتركة في المنظمات المرنة هي كيفية تواصل قادتها أثناء فترات عدم الاستقرار؛ فالموظفون نادراً ما يتوقعون من القادة امتلاك إجابات قطعية لكل شيء، لكنهم يتطلعون إلى الصدق، والشفافية، والرسائل المطمئنة.

وتؤكد أبحاث شركة «ماكينزي» أن الموظفين الذين يشعرون باطلاعهم الكافي على قرارات الشركة يظهرون مستويات أعلى من الارتباط الوظيفي وثقة أقوى في القيادة.

لذا، تعتمد المنظمات التي تنجح في عبور فترات عدم اليقين على عادات بسيطة ومستمرة، مثل: التحديثات الأسبوعية، والاجتماعات الدورية للاطمئنان على الفرق، وفتح قنوات مباشرة للاستفسارات. ولا يشترط أن يكون محتوى هذه المحادثات درامياً؛ فأحياناً يكفي توضيح ما تغير وما بقي ثابتاً، والخطوات التي تتخذها المنظمة للبقاء في جاهزية تامة. إن هذا الإيقاع في التواصل ضروري جداً، لأنه في غياب المعلومة الرسمية، تملأ التكهنات والافتراضات ذلك الفراغ.

الرفاهية النفسية.. قضية أعمال جوهرية

في العديد من الشركات داخل المنطقة، لم تعد رفاهية الموظفين مجرد بند ثانوي في أجندة الموارد البشرية، بل أصبحت قضية قيادية بامتياز، ولها تداعيات مباشرة على الإنتاجية، واستبقاء الكفاءات، والمرونة التنظيمية.

وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب والقلق يكلفان الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنوياً نتيجة فقدان الإنتاجية. وهذا تذكير جلي بأن الضغوط النفسية لا تظل شأناً شخصياً لفترة طويلة، بل سرعان ما تنعكس على أداء الفرق واستمرارية الأعمال.

ودعم رفاهية الموظفين لا يتطلب دائماً برامج معقدة؛ ففي كثير من الأحيان، تصنع الخطوات العملية الفرق الأكبر. فالمديرون الذين يقرون بوجود الضغوط علانية، ويعملون على موازنة أعباء العمل عند الضرورة، ويخلقون إيقاعاً متوقعاً لفرقهم، يمكنهم تقليل مستويات التوتر بشكل ملحوظ. كما أن تدريب المشرفين على رصد العلامات المبكرة للاحتراق الوظيفي لا يقل أهمية، فكثير من المديرين يرغبون في المساعدة لكنهم لا يدركون كيفية بدء هذه المحادثات. وفي أوقات عدم اليقين، يفوق الوضوح والتعاطف القيادي في أهميتهما السياسات الرسمية الجامدة.

في الأزمات.. حضور القيادة يصنع الفارق

لا يستمر الارتباط الوظيفي من تلقاء نفسه؛ فخلال فترات عدم اليقين، قد تضعف الروابط المهنية ما لم يبذل القادة جهداً واعياً للحفاظ عليها. والمنظمات التي تحافظ على الروح المعنوية العالية أثناء التقلبات هي تلك التي تركز على الحضور القيادي، وسهولة الوصول للمسؤولين، والاتساق في المواقف. ففي هذه المنظمات، يتواجد القادة في الميدان، وتجري الفرق نقاشات تتجاوز المهام الآنية، ويُمنح الموظفون مساحة للتعبير عن مخاوفهم بدلاً من الاكتفاء باستقبال القرارات.

إن هذه الممارسات تعزز رسالة بسيطة لكنها محورية: «نحن نجتاز هذا التحدي معاً ككيان واحد». وهذا الشعور بالاتساق والاتجاه المشترك يساعد الموظفين على البقاء في حالة تركيز والتزام، حتى وإن ظل المحيط الخارجي مضطرباً.

ما يبقى بعد عودة الاستقرار

في نهاية المطاف، لا بد أن تنحسر فترات عدم اليقين؛ إذ تتكيف الأسواق، وتستقر روتينات الأعمال، وتبدأ الثقة بالعودة. ومع ذلك، فإن ما يظل محفوراً في ذاكرة الموظفين هو “كيف تصرفت المنظمة خلال تلك الفترة الصعبة”. سيتذكرون ما إذا كان القادة قد تواصلوا بوضوح، وما إذا كان المديرون قد قدّروا الضغوط التي تعرضوا لها، وما إذا كانت الشركة قد خلقت بيئة داعمة أم اكتفت بالصمت.

إن تلك التجارب هي التي تشكل «الثقة» طويلة الأمد. وبالنسبة للشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، تعتمد المرونة المؤسسية بشكل متزايد على حماية هذه الثقة، خاصة عندما تظل الظروف غير متوقعة. فرغم أهمية الرشاقة العملياتية والانضباط المالي، يبقى أهم أصل تمتلكه أي منظمة في أوقات الأزمات هو ثقة موظفيها وإيمانهم بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى