وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
ليس كل تأخيرٍ خسارة، ولا كل بابٍ أُغلق في وجهك كان يريد لك السوء. أحيانًا يكون الله سبحانه أرحم بك من أمنيتك نفسها؛ فيؤخر ما استعجلت، ويمنع ما ظننته نجاتك، ويتركك قليلًا أمام قلبك حتى تتعلم أن النجاة ليست دائمًا في الشيء الذي نريده، وأن أجمل العطايا قد تصل متأخرة، لكنها تصل في اللحظة التي يصبح فيها قلبك قادرًا على فهم جمالها. نحن نعدّ الأيام، والله يعلم الأعمار، نحن نرى اللحظة، والله يعلم الحكاية كلها. ولذلك حين تضيق بك الحياة، لا تسأل فقط: «متى يأتي الفرج؟»؛ اسأل سؤالًا أشد إيمانًا: «ماذا يخبئ لي ربي من الخير وأنا لا أراه؟». ثم اقرأها بقلبك قبل لسانك: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ». إنها ليست جملة لتخدير الحزن، بل وعدٌ يوقظ في القلب شيئًا كاد يموت: الأمل.
هناك آيات لا تُقرأ فقط، بل تُسند القلب حين يكاد يسقط. وهذه الآية واحدة من تلك الكلمات التي تشعر وأنت تقترب منها أن رحمة الله أوسع من كل حساباتنا الصغيرة، وأن الله سبحانه، الواحد الأحد، لا يترك عبده نهبًا للخذلان، ولا يضيّع تعبًا صادقًا، ولا يغفل عن قلبٍ رفع حاجته إليه.
نحن فقط، بحكم استعجالنا البشري، نريد العطاء الآن، والفرج الآن، والجواب الآن، وكأننا ندير مكتبًا للطلبات العاجلة في الحياة! نرسل أمنياتنا في الصباح، ونريد النتائج قبل الظهر، فإذا تأخر الجواب قليلًا بدأ بعضنا يكتب في دفتره الأسود: «لماذا لم يحدث؟ لماذا تأخر؟ لماذا أنا؟».
والحقيقة التي ننسى جمالها أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وأن حكمته ليست نسخة من رغباتنا، وأن علمه أوسع من اللحظة التي نحاكم فيها حياتنا. قد يرى الإنسان بابًا مغلقًا فيغضب، بينما يكون إغلاقه رحمة لا يعرفها إلا الله. وقد يبكي على شيء لم يحصل عليه، ثم يكتشف بعد سنوات أنه لو حصل عليه لبكى أكثر.
لهذا جاءت الآية كأنها تربت على كتف القلب دون ضجيج: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ».
لاحظوا جمالها: «ربك». ليست المسألة عطاءً مجهول المصدر، بل من ربك؛ الذي خلقك، ورباك، وعلم ضعفك، وأحاط بك علمًا، وسمع دعاءك، ويعلم ما يصلح لك قبل أن تعرف أنت ما تريد. ولهذا كان التوحيد في هذه الآية ليس مجرد عقيدة تُقال، بل طمأنينة تُعاش؛ فحين تعرف أن لك ربًا واحدًا لا شريك له، وأن الأمر كله له، يخف ارتجاف القلب أمام أبواب الناس.
وقد قال الله سبحانه: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»، وهذه ليست دعوة إلى الكسل، ولا تصريحًا بالجلوس وانتظار المعجزات، بل دعوة إلى أن تعمل وقلبك معلق بالله، وتسعى دون أن تعبد الأسباب، وتطرق الأبواب دون أن تنسى صاحب الأبواب.
وفي الحديث الشريف يقول رسول الله ﷺ: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». وفي هذه الكلمات تربية عميقة للنفس التي تستهلكها كلمة «لو». لو ذهبت، لو بقيت، لو قبلت، لو رفضت، لو تكلمت، لو سكتُّ. الإنسان يستطيع أن يقضي عمره مديرًا لمتحف «لو»، يعرض فيه خساراته القديمة كل ليلة، ثم يتساءل لماذا لا ينام!
أما المؤمن فيتعلم أن يمضي، وأن يستفيد من الدرس دون أن يسكن داخل الندم، وأن يثق بالله دون أن يتوقف عن الأخذ بالأسباب.
وكان من أجمل النماذج في ذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حين آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع رضي الله عنه. عرض عليه سعد نصف ماله، بل وعرض عليه أن يختار إحدى زوجتيه، فقال عبد الرحمن: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق». لم يجلس يبكي على غربته، ولم يحوّل المحنة إلى خطاب شكوى، ولم ينتظر أن يحمل الآخرون حياته على أكتافهم. ذهب إلى السوق، وعمل، وسعى، حتى صار من كبار أغنياء الصحابة.
تلك القصة ليست حكاية ثراء بقدر ما هي حكاية قلب يعرف كيف ينهض. لقد فهم عبد الرحمن أن العطاء قد يأتي في صورة فرصة، وأن الرزق قد يمر من بوابة العمل، وأن الإنسان لا ينبغي أن يلعن الباب المغلق وهو يقف أمام باب آخر لم يطرقه بعد.
وهنا تلتقي الحكمة الإسلامية مع أجمل ما قاله الحكماء. يقول إبكتيتوس: «ليس ما يحدث لك هو الذي يحددك، بل كيف تستجيب له». ويقول مونتين: «أعظم شيء في العالم أن يعرف الإنسان كيف يكون لنفسه». ويقول باسكال: «كل مشكلات البشرية تنشأ من عدم قدرة الإنسان على الجلوس هادئًا وحده». ولعل أجمل ما يجمع هذه الحكم، بعيدًا عن اختلاف مشارب أصحابها، أن الإنسان يحتاج إلى أن يصنع من داخله مساحة لا تستطيع الحوادث اقتحامها.
لكن المؤمن يذهب أبعد من ذلك؛ فهو لا يعتمد على نفسه وحدها، بل يعرف أن قوته من الله، وأن توفيقه بالله، وأن ما يملكه من صبر وعقل وقدرة إنما هو فضل من الله. ولذلك لا تتحول فلسفته إلى غرور، ولا يتحول نجاحه إلى عبادة لنفسه.
كم من إنسان ظن أن حياته انتهت لأنه خسر وظيفة، فإذا الله يفتح له طريقًا آخر. وكم من امرأة ظنت أن عمرها انكسر لأن أمنية تأخرت، ثم اكتشفت أن الله كان يحفظ لها ما هو أرحم بقلبها. وكم من رجل عاش سنوات يظن أن أبواب الحياة أغلقت كلها، ثم جاءه الفرج من طريق لم يكن يضعه في حساباته أصلًا.
ليس المطلوب أن نضحك على الألم، ولا أن نقول للمنكسر: «لا تحزن» ثم نهرب منه. الإيمان أعمق من هذه العبارات الجاهزة. المطلوب أن نعرف أن الله سبحانه لا يُعبد فقط عندما يمنحنا ما نحب، بل يُوحَّد ويُحمد ويُوثق بحكمته حتى حين لا نفهم ما يحدث. وأن الرضا ليس أن تقول: «أحببت كل شيء»، وإنما أن تقول بقلب مطمئن: «رضيت بالله ربًا، وأثق أن ربي أعلم بي مني».
وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا يقاتلنك أحد على الدنيا إلا غلبته عليها، ولا يقاتلنك أحد على الآخرة إلا غلبته عليها». وفي المعنى حكمة بليغة: لا تجعل قيمتك معلقة بما في أيدي الناس، ولا تجعل سعادتك رهينة بما يصفق له الآخرون.
يا من تأخر عليك ما تحب، لا تستعجل تفسير حياتك من صفحة واحدة. ويا من كسرتك تجربة، لا تجعلها تعريفًا نهائيًا لنفسك. ويا من فقدت بابًا، لا تقنع نفسك بأن العالم انتهى عند عتبته.
ربك يعلم.
والله سبحانه لا يظلم، ولا ينسى، ولا يغفل، ولا يعجزه شيء. هو الواحد الذي إليه تصير القلوب حين تضيق بها الحياة، وهو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو الحكيم الذي يجري أمور عباده بعلم لا يحيطون به.
وفي آخر الطريق، حين تنطفئ ضوضاء الأسئلة، ستعرف أن الله لم يكن يؤخر فرحتك ليعذبك، ولم يغلق بابًا ليتركك وحيدًا، ولم يأخذ منك شيئًا عبثًا. ستعرف أن الله سبحانه كان يدبر لك وأنت لا تعرف، ويحفظك وأنت تظن أنك محروم، ويقودك برحمته إلى موضع لم تكن تعرف أنك تحتاج إليه. وحينها لن تنظر إلى الأمس بعين المكسور، بل بعين من نجا وعرف لماذا كان عليه أن يعبر كل تلك العتمة.
فلا تستسلم الآن.
لا تفعلها في آخر الطريق.
لا تجعل يومًا ثقيلًا يقنعك أن الحياة كلها ثقيلة، ولا تجعل بابًا أغلقه الله في وجهك يقنعك أن رحمته أغلقت أبوابها. الله أكبر من خسارتك، وأرحب من حزنك، وأكرم من ظنونك، وأرحم بك من كل من أحبك.
ارفع رأسك.
واصل السير.
فما دام ربك هو الله، فليس من الحكمة أن تجعل نهاية قصتك يكتبها اليأس.
«وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ».
وربما تكون المفاجأة التي تنتظرها منذ سنوات أقرب مما تظن، وربما حين تأتي لن تقول: «أخيرًا حصلت على ما أردت»، بل ستقول بدمعة امتنان: «الآن فقط فهمت لماذا أخّر الله كل شيء.»
“bismallah34@gmail.com”
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



