cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

انتظر… ستُدهش….!!

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

نحن قومٌ نستعجل النهايات؛ إذا تأخرت وظيفة قلنا انتهت الفرص، وإذا تأخر الزواج ظننا أن قطار الحياة غادر بلا عودة، وإذا تعثرت أمنية جلسنا نكتب لأنفسنا شهادة وفاة قبل أن تبدأ الحكاية. نريد من الله أن يكشف لنا الغيب كي نطمئن، مع أن الإيمان كله أن نطمئن إلى الله ونحن لا نرى الغيب. كم مرة ظننا أن ما تأخر عنا قد ضاع، ثم اكتشفنا أن الله كان يصرف عنا أذى لا نراه، وكم مرة بكينا على بابٍ أُغلق، ثم حمدنا الله لأننا لم ندخل منه! لا تتعجل الحكم على حياتك من مشهد واحد؛ فأنت لا تعرف ما يخفيه الله لك من لطف، ولا تعرف كيف يمكن لصفحةٍ ظننتها نهاية أن تكون أول سطر في أجمل فصول عمرك. انتظر… ستُدهش.

أحيانًا يصل الإنسان إلى لحظة يظن فيها أن الحكاية انتهت، وأن الأبواب التي طرقها كثيرًا قد قررت بالإجماع أن تظل مغلقة، وأن الحياة وضعت أمامه لافتة صغيرة مكتوبًا عليها: «حاول لاحقًا… أو لا تحاول أصلًا!». فيجلس متعبًا، يراجع خساراته واحدةً واحدة، ويعامل التأخير وكأنه حكم نهائي، مع أن الله سبحانه وتعالى لم يقل له يومًا إن التأخير حرمان، ولا إن الطريق الذي لم يفتح هو الطريق الذي كُتب له أن يسلكه.

نحن البشر عجيبون جدًا؛ نريد من الله أن يشرح لنا الغد قبل أن نعيش اليوم، ونريد الحكمة كاملة قبل أن نقبل بما يحدث، ونريد الإجابة قبل أن نعرف السؤال. فإذا تأخر شيء قلنا: لماذا؟ وإذا جاء على غير ما نريد قلنا: كيف؟ وإذا أُغلق بابٌ أمامنا ظننا أن الأبواب كلها أُغلقت، وكأن الحياة دائرة حكومية كبرى، وكل شبابيكها قررت أخذ إجازة في اليوم نفسه!

لكن الله سبحانه وتعالى أرحم بنا من أنفسنا، وأعلم بنا من أنفسنا، وحكمته فوق استعجالنا، وتدبيره أوسع من نظرتنا القصيرة. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

هذه الآية وحدها تستطيع أن تعيد ترتيب غرفة كاملة من الفوضى داخل القلب؛ لأن الإنسان يرى اللحظة، والله سبحانه وتعالى يعلم البداية والنهاية، ويعلم ما نعلمه وما لا نعلمه، وهو الواحد الأحد، لا شريك له، المتفرد بالخلق والتدبير، المنزه عن الظلم، الرحيم بعباده، الحكيم في قضائه وتدبيره.

فكم من شيء بكينا عليه ثم حمدنا الله أنه لم يكن لنا، وكم من باب ظنناه باب النجاة ثم اكتشفنا أن النجاة كانت في ألا ندخله أصلًا. وكم من إنسان استعجل الوصول، ثم اكتشف بعد سنوات أن أجمل ما حدث له أنه تأخر.

وفي تاريخ المسلمين قصة تختصر معنى الثبات حين لا يفهم الإنسان ما يجري حوله. فقد كان خبيب بن عدي رضي الله عنه أسيرًا عند قريش، ثم أُخرج إلى التنعيم ليُقتل. كان المشهد في ظاهره نهايةً مؤلمة، لكنه طلب أن يُترك ليصلي ركعتين، فصلاهما، ثم ثبت على إيمانه حتى لقي الله. لم يكن خبيب يملك تغيير المشهد، لكنه كان يملك قلبًا يعرف ربه، ويعرف أن الإنسان قد يفقد أشياء كثيرة ولا يفقد أعظم ما عنده: إيمانه بالله.

وهنا تكمن إحدى أعظم المفارقات الإنسانية: قد يظن الناس أن النجاة تعني أن تخرج من المشكلة، بينما قد تكون النجاة الحقيقية أن تخرج منها وأنت أكثر قربًا من الله، وأشد معرفة بنفسك، وأقل تعلقًا بما في أيدي الناس.

وليس التفاؤل أن نغمض أعيننا عن الواقع، ولا أن نضحك في وجه المصائب ونقول: «كل شيء رائع!» ثم نعود إلى البيت لننهار في صمت. التفاؤل الحقيقي أن ترى الحقيقة كاملة، ثم تضع ثقتك بالله كاملة. أن تعترف بأنك متعب، لكنك لا تعتقد أن الله تركك. أن تقول: لا أعرف ماذا سيحدث، لكنني أعرف من أعبد، وأعرف أن الله حكيم رحيم، وأن رحمته أوسع من خوفي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير»، فإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له. رواه مسلم.

ما أعمق هذه الكلمة! إنها لا تعد الإنسان بحياة بلا ألم، لكنها تمنحه معنى أعظم: أن الخير يمكن أن يولد حتى من اللحظة التي ظنها الناس شرًا محضًا، وأن المؤمن لا يعيش عبثًا، ولا يرى حياته سلسلة حوادث بلا معنى، بل يعيش عبدًا لله في السراء والضراء، شاكرًا عند النعمة، صابرًا عند البلاء، حسن الظن بربه دون أن يتكلف معرفة ما لم يُكشف له.

وكان إبكتيتوس، الفيلسوف الروماني من أصل يوناني ، يقول بمعنى حكمته الشهيرة إن الإنسان لا ينبغي أن يطلب أن تجري الأمور دائمًا كما يريد، بل أن يتعلم التعامل معها كما تجري. وفي هذه الفكرة لمعة إنسانية عميقة؛ فالمرء يستهلك نصف عمره في مقاومة ما لا يستطيع تغييره، ثم يكتشف متأخرًا أن السلام يبدأ حين يتوقف عن محاكمة كل شيء لا يوافق رغبته.

أما فيكتور فرانكل، الذي كتب من قلب تجربة إنسانية قاسية، فكان يرى أن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بمعنى لحياته حتى وسط المعاناة. والمؤمن يتجاوز هذه الفكرة إلى يقين أرسخ؛ فحياته ليست متروكة للعبث، وإنما هو عبد لله الواحد الأحد، يعلم أن ربه أرحم به من نفسه، وأن ما عند الله خير وأبقى.

ولهذا لا تجعل لحظة واحدة تختصر حياتك كلها.

لا تجعل خسارة وظيفة تعني أنك فاشل، ولا تأخر زواج يعني أنك منسي، ولا تعثر مشروع يعني أنك غير قادر، ولا فشل علاقة يعني أن قلبك خُلق للحزن، ولا تأخر أمنية يعني أن الله لم يسمعك.

في حياتنا المعاصرة قصص كثيرة لأناس ظنوا أنهم خسروا، ثم اكتشفوا أنهم كانوا يعادون بداية جديدة لأنهم كانوا متعلقين بنهاية قديمة. رجل فقد وظيفته بعد سنوات طويلة، فاعتقد أن عمره المهني انتهى، ثم بدأ عملًا صغيرًا من منزله، وبعد أعوام صار مصدر رزق لآخرين. امرأة أُغلقت أمامها فرصة كانت تراها حلم العمر، ثم دخلت مجالًا آخر لم تكن تفكر فيه، فإذا بها تجد فيه ذاتها ونجاحها. شاب تعثرت دراسته، فظن أن أقرانه سبقوه إلى الحياة، ثم عاد وبدأ من جديد، فاكتشف أن التأخر في بعض المحطات لا يعني التأخر عن الوصول.

وهذه هي المشكلة؛ نحن نقيس حياتنا بمواعيد الآخرين.

فلان تزوج قبلي، وفلان اشترى منزلًا قبلي، وفلان حصل على وظيفة، وفلان أصبح مشهورًا، وفلان سافر، وفلان بدأ مشروعًا… ثم نعود إلى بيوتنا ونحن نشعر أننا آخر الركب! مع أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الناس بنسخة واحدة، ولم يجعل أبواب الرزق والنجاح والابتلاء متطابقة بينهم. لكل إنسان ظروفه، ولكل إنسان قصته، والله وحده يعلم ما يصلح لعبده.

وقد يكون أجمل ما سيحدث لك لم يحدث بعد.

لذلك، إذا ضاقت بك الأيام، لا تتعجل إصدار الحكم. لا تقل: انتهى كل شيء. لا تقل: لن يحدث شيء جميل. لا تقل: أنا وحدي.

قل شيئًا أبسط وأقوى: الله موجود، والله أعلم، والله أرحم، والله أقدر.

ثم قم.

امسح عن قلبك غبار الأمس، وابدأ من المكان الذي أنت فيه، ولا تنتظر أن تصبح حياتك مثالية حتى تفرح. اعمل بما تستطيع، أصلح ما تستطيع إصلاحه، اترك ما لا تستطيع حمله، واستعن بالله، ثم امضِ.

فالإيمان ليس وعدًا بأنك لن تتعثر؛ بل هو يقين بأن التعثر ليس نهاية الطريق، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه أن يبدل الحال بحال، وأن يفتح بعد العسر يسرًا، وأن يخرج من قلب الإنسان المكسور قوة لم يكن يعرف أنها فيه.

وربما كنت تظن أنك تنتظر فرجًا صغيرًا، بينما الله سبحانه وتعالى يدخر لك من فضله ما يجعلك يومًا ما تلتفت إلى كل هذا التعب وتبتسم، لا لأن الألم كان سهلًا، بل لأنك ستفهم يومها أشياء لم تكن تفهمها بالأمس.

ستعرف لماذا تأخرت بعض الأبواب، ولماذا غاب بعض الأشخاص، ولماذا لم تكتمل بعض الأمنيات، ولماذا نجوت من أشياء كنت تتمنى وقوعها.

عندها ستدرك أن الإنسان كثيرًا ما يحزن على ما لم يحصل عليه، بينما كان عليه أن يحمد الله على ما أنقذه منه.

فلا تستعجل الحكاية.

لا تحكم على كتابك من صفحة واحدة.

ولا تظن أن الباب الذي أُغلق هو آخر أبواب الحياة.

ربما لم يكن الباب لك.

وربما كان إغلاقه رحمةً لم تفهمها بعد.

وربما أنت الآن في أكثر فصول حياتك غموضًا، لكنك لم تصل إلى الصفحة الأخيرة.

انتظر.

اعمل.

اصبر.

أحسن الظن بالله، ووحّده، وتوكل عليه، واعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يضيع عبده، وأن رحمته أوسع من خوفك، وأن حكمته أعظم من استعجالك.

ثم ابتسم.

فقد يأتيك من لطف الله ما يجعلك تنظر إلى الأمس طويلًا، وتقول من أعماق قلبك:

كنت أظن أنني خسرت… فإذا بالله يحفظني.

انتظر… ستُدهش.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام: 479438

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى