الذين يبيعون سلامهم بالتقسيط…!!

✒️ _ راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
حين يضيق الطريق على القلب، يفتح الله له باباً من اللطف لا تراه العيون أول الأمر، لكنه يقود الروح إلى برّ الأمان.
ليس كل انتصارٍ أن تبقى.
وليس كل شجاعةٍ أن تواجه.
وليس كل وفاءٍ أن تتحمل المزيد من الأذى.
بعض الانسحابات حكمة، وبعض الأبواب التي تُغلقها بيدك يفتح الله لك بها أبواباً لم تكن تتخيلها، وبعض الأشخاص الذين تبتعد عنهم حفاظاً على قلبك، إنما تقترب بذلك من نفسك أكثر.
ومن أجمل ما نُقل في الحكمة العملية المختصرة ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: «اعتزل ما يؤذيك».
كلمات قليلة، لكنها لو وُزنت بسنواتٍ من التجارب لرجحتها.
العجيب أن كثيراً من الناس لا يأتيهم الأذى من عدوٍ متربص، بل من إصرارهم العجيب على الجلوس في المقاعد التي تجرحهم كل يوم.
يدخل أحدهم مجلساً يعلم أنه سيخرج منه محطماً، ثم يتساءل عن سبب ضيق صدره.
ويتابع آخر أشخاصاً لا يتقنون إلا الانتقاص والسخرية وبث السموم، ثم يتعجب من انهيار مزاجه.
ويُبقي ثالث علاقةً استنزفته أعواماً طويلة، لا احترام فيها ولا تقدير، ثم يشتكي من التعب.
كأن بعض الناس يشتري الحزن بالتقسيط المريح!
والحقيقة أن الله جل جلاله لم يخلق الإنسان ليكون مكباً لمخلفات الآخرين النفسية، ولم يجعله ساحةً مفتوحة لكل من أراد أن يعبر فوق مشاعره دون اكتراث.
قال الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58].
وجاء في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال:
«لا ضرر ولا ضرار».
إنها شريعة عظيمة جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والكرامة، ولذلك لم يكن الابتعاد عن مصادر الأذى جبناً، بل قد يكون من تمام العقل.
كان الحسن البصري رحمه الله يقول ما معناه إن المؤمن لا يزال يزن الأمور بميزان الحكمة، فلا يلقي بنفسه إلى موارد الهلكة.
وكان الفيلسوف الرواقي سينيكا يقول: “أعظم ما تملكه النفس أن تعرف متى تغادر ما يؤذيها”.
وكأن الحكمة الصادقة مهما اختلفت الأزمنة تلتقي عند حقيقة واحدة: لا تمنح ما تبقى من عمرك لمن لا يعرف قيمته.
ومن أجمل القصص التي تروى في هذا المعنى ما وقع للإمام الشافعي رحمه الله حين اشتد عليه أذى بعض الناس وحملات الانتقاص والتشويه، فلم يدخل معهم في معارك لا تنتهي، بل انصرف إلى العلم والتعليم والبناء.
لم يُضِع عمره في مطاردة كل ناعق.
ولم يجعل سعادته رهينة أفواه الآخرين.
فصار ذكره يملأ الدنيا بعد قرون، بينما ذهبت أسماء كثير ممن آذوه كما تذهب الريح بأثرها على الرمال.
وهذه سنة تتكرر في كل زمان.
ففي عصرنا المعاصر نرى أشخاصاً غادروا بيئات محبطة كانت تطفئ مواهبهم كل يوم، فلما ابتعدوا عنها ازدهرت حياتهم وظهرت قدراتهم.
لم يتغير ذكاؤهم.
لم تتبدل عقولهم.
كل ما حدث أنهم توقفوا عن الوقوف تحت المطر ثم استغربوا لماذا لم يعودوا مبتلين بالبلل.
والمشكلة أن بعض الناس يظن أن الرحيل عن الأذى خيانة، وأن الحفاظ على النفس أنانية، وأن وضع الحدود قسوة.
وهذا من أعجب الأوهام.
فأنت حين تغلق باباً يدخل منه الضرر إلى قلبك لا تعلن الحرب على أحد، بل تمارس حقاً منحك الله إياه.
إن قلب المؤمن أمانة.
وعمره أمانة.
وأعصابه أمانة.
وسكينته أمانة.
فكيف يفرط بالأمانة ثم يسأل عن أسباب التعاسة؟
لقد قال الحكماء قديماً: في الناس أبدال، وفي الترك راحة.
وهي كلمة تختصر كثيراً من المعاناة البشرية.
فالأرض واسعة، والناس كثير، والفرص لا تنتهي، والله الكريم الغني الحميد إذا أغلق عنك وجهاً من وجوه الخلق فتح لك وجوهاً أخرى أكثر رحمة وأصدق ودّاً وأجمل أثراً.
ومن أعظم ما يريح القلب أن يعلم الإنسان أن رزقه بيد الله، وأن محبته الحقيقية منحة من الله، وأن مكانته لا يصنعها المتكبرون ولا يهدمها الحاسدون.
الله وحده هو الملك الحق.
الله وحده هو الوكيل الكافي.
الله وحده هو اللطيف الذي يجبر الكسور الخفية التي لا يراها أحد.
وما دام العبد متعلقاً بربه فلن تضره أبواب أُغلقت، ولا وجوهٌ أدبرت، ولا علاقاتٌ انتهت.
بل ربما كانت تلك النهايات بداية الرحمة نفسها.
إن كثيراً من المصائب التي نحزن عليها طويلاً ليست سوى عمليات إنقاذ إلهية تأخر فهمنا لها.
وكم من شخص بكى على باب أُغلق، ثم اكتشف بعد سنوات أن الله أنقذه بذلك الإغلاق من شقاء طويل.
لهذا فإن النضج الحقيقي ليس أن تتحمل كل شيء، بل أن تعرف ما الذي يستحق البقاء، وما الذي يجب أن تتركه بهدوء.
اعتزل ما يؤذيك.
اعتزل الفكرة التي تهدمك.
واعتزل الصحبة التي تستنزفك.
واعتزل المكان الذي يختنق فيه احترامك لنفسك.
واعتزل كل ما يحجب عن قلبك نور الطمأنينة التي يحبها الله لعباده.
فالحياة أقصر من أن تُهدرها في إصلاح من لا يريد الإصلاح.
وأغلى من أن تُفنيها في إقناع من قرر ألا يفهمك.
وأشرف من أن تجعلها رهينة لأشخاص لا يرون قيمتك.
وفي النهاية، ليس المطلوب أن تكسب الجميع.
بل أن تحفظ قلبك لله، وتمضي في طريقك نظيف الروح، هادئ الضمير، مطمئناً إلى أن ما تركته لله عوضك الله خيراً منه، وأن ما أبعده الله عنك لم يكن ليستحق كل هذا التعلق.
فبعض النجاة تبدأ بخطوة واحدة فقط…
أن تعرف متى تغادر.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



