عِيدٌ بأيّةِ حَالٍ عُدتَ.. جَدليّةُ الفَرَحِ واستِعادةُ الروح

بقلم: أبوطالب دغريري
”بينَ مرافئِ الذاكرةِ وشواطئِ الواقعِ المتلاطمة، يطلُّ علينا العيدُ حاملاً في طيّاتِ بَرْدِهِ تساؤلَ المتنبي الوجوديَّ الخالد: ‘بأيِّ حالٍ عُدتَ؟’. في هذه القراءة، نسبرُ أغوارَ الفلسفةِ الكامنةِ خلفَ الفرحِ المثقلِ بالشجن، ونستشرفُ كيفَ يغدو العيدُ معراجاً لترميمِ الذاتِ وانبعاثِ الأملِ من رمادِ التحديات.”
يمضي الزمانُ وتتوالى العصور، ويبقى العيدُ ميقاتاً تشرئبُّ إليهِ النفوسُ طمعاً في السكينة، بيدَ أنَّ الوجدانَ العربيَّ استبطنَ منذُ قرونٍ صرخةً مدويةً أطلقها “أبو الطيب المتنبي” في لحظةِ اغترابٍ قاسية: “عِيدٌ بأيّةِ حَالٍ عُدتَ يا عِيدُ.. بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ؟”. هذا البيتُ لم يكن مجرد نفثةٍ مصدورةٍ من شاعرٍ طموح، بل تحوّلَ إلى “أيقونةٍ” فلسفيةٍ تُشخّصُ الصراعَ الأزليَّ بين بهجةِ الشعيرةِ ومرارةِ الواقع، وتضعُ مشاعرنا الإنسانيةَ في ميزانِ الحقيقةِ المجرّدة.
حينَ نظمَ المتنبي هذهِ الدرّة، لم يكن ينظرُ من شُرُفاتِ القصور، بل كان يكتوي بنيرانِ الغربةِ ويقتاتُ على فتاتِ الخيبات. لذا، جاءَ تساؤلهُ “بأيِّ حالٍ عُدت؟” متجاوزاً حدودَ الزمانِ والمكان؛ إنهُ سؤالٌ عن “الماهية”. هل يعودُ العيدُ ليستثيرَ كوامنَ الحنينِ لماضٍ ولّى ولن يعود؟ أم أنهُ يحملُ في طيّاتِ قُدومِهِ “تجديداً” حقيقياً قادراً على بعثِ الحياةِ في أرواحنا المنهكة؟
إن هذا التساؤلَ الرفيع يلامسُ شِغافَ قلبِ الإنسانِ المعاصر، الذي يجدُ نفسهُ أحياناً غريباً في زحامِ المهنئين، فيقفُ أمامَ العيدِ وقفةَ المتأملِ المتسائل: كيفَ يبتسمُ الثغرُ والقلبُ ترزحُ تحتَهُ أثقالُ الحياة؟
العيد: وقفةُ مُراجعةٍ لا ملاذُ هروب
إنَّ القراءةَ الفاحصةَ لنبضِ الحياةِ تُخبرنا أنَّ العيدَ -لدى البعض- قد استحالَ إلى طقسٍ اجتماعيٍ جاف، أو “واجبٍ” يُقضى على عجل. لكننا إذا ما تأملنا في شطرِ البيتِ الثاني، نجدُ دعوةً مضمرةً “للتجديد”.
فالماضي: يمثّلُ مخزنَ العِبَرِ، ودفءَ البساطة، وربما شجنَ الفقد.
والتجديد: يمثّلُ إرادةَ المقاومة، وسطوعَ الأمل، والقدرةَ الفائقةَ على اجتراحِ الفرحِ من عمقِ المأساة.
إنَّ كينونةَ العيدِ لا تتجلى في غيابِ الأحزانِ كلياً، بل في القدرةِ على التسامي فوقَ الجراحِ ولو لبرهةٍ خاطفة. إنهُ “هدنةُ محاربٍ” يمنحها القدرُ لأرواحنا، كي نستعيدَ توازننا الوجدانيَّ ونواصلَ المسيرَ في دروبِ الحياةِ الوعرة.
هلِ التجديدُ إرادةٌ أم صُدفة؟
إنَّ الإجابةَ الفصلَ على سؤالِ المتنبي تكمنُ في إرادتنا نحنُ. فالتجديدُ الذي ينشدهُ العيدُ ليسَ في نضارةِ الأثوابِ ولا في ترفِ الموائد، بل هو “انبعاثٌ داخلي” يُعيدُ هيكلةَ النوايا، ويُرمّمُ ما تصدّعَ من صِلاتِ القربى التي أصابها جفافُ المادة. العيدُ الحقُّ هو ذلكَ الذي نعودُ فيهِ إلى ذواتنا، نغسلُ فيهِ القلوبَ من درنِ الضغينة، ونزرعُ فيهِ الأملَ في أعينِ اليائسين؛ لنبرهنَ لأنفسنا أولاً، وللعالمِ ثانياً، أنَّ الفرحَ صنيعةُ أيدينا، وليسَ محضَ صدفةٍ قدرية.
خاتمةُ المآل
سيظلُّ بيتُ المتنبي يترددُ في فضاءاتنا، لا ليثبطَ الهممَ أو يبعثَ الكدر، بل ليكونَ “نبراساً” يعكسُ نضجنا في فقهِ الحياة. فالعيدُ آتٍ لا محالة، وبأحوالٍ شتى، ولكنَّ الفيصلَ يكمنُ في “الحالِ” التي نستقبلهُ بها. هل سنستقبلهُ رضوخاً للظروف، أم صناعةً للأملِ برغمِ كلِّ الظروف؟



