يوم التأسيس… حين يلتقي التاريخ بالفن

د.زكية الصقعبي
——————————-
في الثاني والعشرين من فبراير، لا تستحضر المملكة العربية السعودية حدثًا عابرًا في سجل الزمن، بل تستعيد لحظة تأسيسٍ صنعت مسارًا تاريخيًا ممتدًا منذ عام 1727م، حين تولّى الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية، لتبدأ ملامح دولةٍ تتشكل على أرضٍ عرفت التحولات، لكنها كانت تبحث عن الاستقرار. لم يكن التأسيس إعلان سلطة فحسب، بل مشروع بناءٍ سياسي واجتماعي أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان، ورسّخ مفهوم الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للأمن والعلم والتنظيم.
تُظهر الوثائق المحفوظة في دارة الملك عبدالعزيز أن الدرعية لم تكن مجرد عاصمة ناشئة، بل مركز إشعاعٍ علمي وإداري، ومنها انطلقت تجربة سياسية اتسمت بالمرونة والقدرة على التكيّف مع تحولات الإقليم. ويؤكد عدد من الدراسات الأكاديمية الصادرة عن جامعة الملك سعود أن الدولة السعودية الأولى مثّلت نقطة تحول في تاريخ الجزيرة العربية، إذ أسست لمرحلة من الاستقرار النسبي بعد عقود من التشتت.
غير أن يوم التأسيس لا يُقرأ في سياق السياسة وحدها؛ فالتاريخ في جوهره سردية ثقافية، والفن أحد أكثر أشكالها صدقًا وخلودًا. فمن عمارة الطين في الدرعية، بتفاصيلها النجدية الصارمة، إلى الزخارف والأزياء والرايات، تشكّل الوعي الجمالي موازيًا لمسار الدولة. لقد كان الفن، بمعناه الواسع، شاهدًا على التحول؛ يحفظ الملامح حين تتغير الأزمنة، ويترجم القيم إلى رموز بصرية تعبر الأجيال.
إن استعادة التأسيس عبر اللوحة التشكيلية أو العمل النحتي أو العرض الأدائي ليست ترفًا احتفاليًا، بل فعل قراءةٍ جديدة للتاريخ. فالفنان حين يستلهم لحظة 1727م، لا يعيد رسم الماضي كما كان، بل يعيد تفسيره في ضوء الحاضر. وهكذا يصبح التراث مادة حية، لا أثرًا ساكنًا؛ ويتحوّل يوم التأسيس إلى مساحة يلتقي فيها المؤرخ بالفنان، والسرد بالرمز، والذاكرة بالإبداع.
وقد جاء اعتماد هذا اليوم مناسبة وطنية بأمر من الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود تأكيدًا على الامتداد التاريخي للدولة السعودية عبر ثلاثة قرون، وعلى أن الجذور الراسخة هي ما يمنح الحاضر ثقته بالمستقبل. وبين الدرعية، عاصمة البدايات، والرياض، عاصمة التحولات الكبرى، تتجدد الحكاية ذاتها: دولةٌ بدأت بفكرة، وترسّخت بقيم، واستمرّت لأنها أحسنت قراءة تاريخها وصياغته في وجدان شعبها.
المراجع المعتمدة:
وثائق وأبحاث دارة الملك عبدالعزيز.
دراسات تاريخ الجزيرة العربية في جامعة الملك سعود.
كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر.



