“حصاد” العسيري يجمع أنواع الفنون في خميس مشيط

في ليلة فنية، وبحضور عدد من الفنانين والمتذوقين افتتح مساء الخميس الماضي مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بأبها (سابقاً) الأديب الأستاذ أحمد عسيري معرض “حصاد” للفنان سلطان عسيري في موجان بارك بمحافطة خميس مشيط، واحتوى المعرض بين جنباته أنواع الفنون، جمعت بين اللوحات المسندية، والأعمال النحتية، والتركيبية، وقد خصص الفنان ركناً في المعرض للرسامين من أصحاب الهمم العالية، وهم: حليمة القرني، وشادي عسيري ، وجميلة الشهري، وفضل الجيزاني. وعبّر الفنان التشكيلي سلطان عسيري عن اعتزازه بتجربته الفنية التي توّجها بمعرضه الشخصي “حصاد”، مشيرًا إلى أن المعرض يُعد خلاصة محطات متعددة في مشواره الإبداعي، حيث ضم أعمالًا فنية تنوعت بين النحت على مختلف أنواع الحجر، والحفر والنقش على الخشب، إلى جانب لوحات فنية مرسومة على الكانفس والخشب، فضلًا عن أعمال إنشائية وحروفية تعكس مزيجًا من التقنيات والأساليب. وأكد عسيري حرصه على أن يحمل المعرض بُعدًا إنسانيًا، من خلال استضافة أربع مواهب من أصحاب الهمم، عُرضت أعمالهم ضمن أروقة المعرض، ولاقت تفاعلًا لافتًا من الزوار. وأضاف أن ما قدّمه أصحاب الهمم عكس روحًا من الثقة والفخر، وكان محل تقدير وإعجاب من الحضور، مما أضفى على المعرض طابعًا فنيًا وإنسانيًا متكاملًا.
وسجل الأستاذ أحمد عسيري كلمة بهذه المناسبة في سجل الزيارات قال فيها: النحت (نحتان) نحت في اللغة، ونحت في الصخر، فنحت اللغة هو تحويل كلمتين فأكثر إلى كلمة أوجملة قصيرة،كقولنا (بسم الله الرحمن الرحيم)،فنقول (البسملة)، أما نحت الصخر فهو فن بصري تشكيلي، يتحول إلى أبعاد ومضامين ودلالات متجاوزة، كمنحوتات بارزة، وتكوينات قائمة بذاتها،
“سلطان عسيري” فنان استثنائي، عاشق لموهبة صعبة ومعقدة إنحاز لها منذ زمن ليس بالقصير ،ليحقق ذاته وحلمه من خلالها ،فالحجر يتحول بين يديه إلى (ذاكرة) وانهيالات من المعاني والأفكار والطروحات المعرفية ،هو فنان صارم، يوقظ حواس المتلقي، ويجبره على التأمل، ويستفز مشاعره، لكي يسأل عن هذا المعطى التكويني وماهيته. كلنا نمر أمام الصخر ونعبر إلى غيره من المشاهد، بينما هو يقف، ويصغي لمعرفة حكايته وأسراره التي يبوح بها، يقف ليقرأ ويتوغل ويتفاعل ويلامس جسده بحنان ورفق فائض، همه اختراق
سطحه القاسي، ومصاحبته
وترويضه، ليحوله إلى نص
مقروء، وتجربة متعالية، ولغة صامتة ولكنها ثرية وعميقة، ورافلة بالحياة.
وفي درسة نقدية تحليلية لأعمال العسيري ذكر أستاذ الآثار والفنون الإسلامية المشارك بجامعة الملك خالد، ومدير الجمعية السعودية للفنون التشكيلية بعسير الدكتور علي مرزوق بأن أعمال العسيري تنفتح على فضاء بصري متنوع، حيث تتقاطع في أعماله الفنون المسندية مع فنون النحت والتركيب، بالإضافة إلى الريليف الغائر والنافر، في صياغات تعكس قدرة عالية على توظيف الخامات وتطويع التقنيات المختلفة. لقد جمع العسيري بين الحجر والرخام والخشب في تكوينات بصرية غنية، تمنح المتلقي تجربة حسية وروحية في آنٍ واحد. ففي أعماله النحتية، يبرز الجانب التأملي والروحي بجلاء، إذ يستلهم أسماء الله الحسنى في تراكيب توحي بالتسبيح والتقديس، وكأن الكتلة الصامتة قد نطقت بما فيها من تجلٍ إلهي. أما لوحاته المسندية، فهي تنبض بانتماء عميق للطبيعة العسيرية، إذ تتداخل فيها أشكال البيوتات التقليدية وأشجار الجنوب وزخارفه المتوارثة، في حوار بصري مع البيئة والذاكرة. كما يُظهر العسيري براعة لافتة في استلهام الخط العربي، حيث يوظفه ليس فقط بوصفه عنصراً زخرفياً، بل كمادة بصرية تحمل أبعاداً تشكيلية ودلالات رمزية، ليصوغ منها أعمالاً تنتمي إلى “الحروفية” يُعيد من خلالها تشكيل “الحرف الواحد” وفق تصنيف “شربل داغر” وفق بنية معاصرة تتجاوز الوظيفة القرائية إلى التعبير الجمالي الخالص، مما يضع العسيري ضمن تيار تشكيلي يتعامل مع الحرف بوصفه كائناً بصرياً مستقلاً.