تجربة ميدانية في الحج.. عندما تتحول الخبرة السعودية إلى صناعة عالمية

منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنا أرغب في الحديث عن موسم الحج وكيف تُدار هذه الشعيرة العظيمة، وما يصاحبها من تنظيم لحركة أعداد هائلة من الحجاج خلال أيام معدودة وفي نطاق جغرافي محدود. لكنني لم أرد الحديث إلا بعد أن أرى بعيني حقيقة العمل على أرض الواقع، وأن أعيش التجربة بنفسي؛ ليكون حديثي منطلقًا من رؤية مباشرة ويقين نابع من واقع التجربة.
وبفضل الله تعالى، شاركت هذا العام في خدمة ضيوف الرحمن، ومارست أحد أكثر الأعمال مشقةً في الحج، وهو إرشاد الحجاج وتوجيههم. ورغم استغراب الزملاء في الحملة واقتراحهم مشاركتي في أعمال تتطلب جهدًا ميدانيًا أقل، إلا إنني عزمت على خوض هذه التجربة ومرافقة الحافلات الناقلة للحجاج في المشاعر المقدسة. وهناك عايشت تفاصيل العمل الميداني بكل تحدياته، وأدركت حجم الرسالة التي يؤديها العاملون في خدمة ضيوف الرحمن، فكانت تجربة ثرية ومؤثرة رغم صعوبة العمل وطول ساعات الخدمة المتواصلة.
وأثناء هذه التجربة، أدركت حجم الجهود العظيمة التي تبذلها حكومة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في خدمة ضيوف الرحمن. فما يتحقق في موسم الحج ليس عملًا موسميًا عابرًا، بل ثمرة تخطيط طويل المدى، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية، وتكامل بين الجهات الحكومية والأمنية والصحية والخدمية. وقد أصبحت المملكة نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود وتنظيم التجمعات البشرية الكبرى، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في الارتقاء بخدمة الحجاج والمعتمرين وتطوير تجربتهم.
وخلال هذه التجربة عملت مع شركة السرعة الواحدة للخدمات اللوجستية، فوجدتها متميزة في إجراءات تسجيل العاملين، وقادرة على إدارة العمل باحترافية عالية رغم بعض الظروف الخارجة عن الإرادة. وكانت مرونتها وكفاءتها نموذجًا حقيقيًا لما ينبغي أن تكون عليه الخدمات اللوجستية في أصعب بيئات التشغيل.
كما تولّت حملة الراجحي الإشراف على مختلف شؤون الحملة وخدماتها، بما في ذلك استقبال الحجاج، وإسكانهم، وإعاشتهم، وتوجيههم وإرشادهم، وتنظيم تنقلاتهم بين المشاعر المقدسة. ومن بين المهام التي أشرفت عليها نقل الحجاج من الفنادق إلى المشاعر، حيث أظهرت خبرةً كبيرةً في إدارة الحشود والتنقل. حيث تم نقل أكثر من أحد عشر ألف حاج وحاجة في وقت وجيز وبكل يُسر وسهولة، وهو ما يعكس الخبرة المتراكمة والكفاءة التشغيلية التي تتمتع بها الحملة.
لقد كشفت لي هذه التجربة الميدانية جانبًا من الخبرة المتراكمة التي تمتلكها المملكة في إدارة الحج وتنظيم حركة الحشود، وهي خبرة تتجلى آثارها في كل مرحلة من مراحل الخدمة. ففي غضون أيام معدودة، تنجح المملكة في إدارة وتنظيم حركة ما يزيد على مليون وسبعمائة ألف حاج بين المشاعر المقدسة بانسيابية ودقة، ضمن منظومة متكاملة تتعاون فيها الجهات الحكومية والأمنية والصحية والخدمية، وتعمل فيها آلاف الكفاءات الوطنية لخدمة ضيوف الرحمن.
إن ما لمسته بنفسي من احترافية لدى شركة السرعة الواحدة وحملة الراجحي ليس سوى جزء من منظومة أكبر جعلت من الحج تجربة إدارية وتشغيلية فريدة تستحق الدراسة والاستفادة منها. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تبقى هذه الخبرة محصورة في الموسم فقط، بينما يشهد العالم طلبًا متزايدًا على حلول إدارة الحشود والمناسبات الكبرى؟
لقد رأيت بعيني كيف يمكن للخبرة الميدانية، عندما تقترن بالإخلاص والإتقان، أن تصنع أثرًا عظيمًا في خدمة ضيوف الرحمن. وأؤكد أن شركات مثل السرعة الواحدة للخدمات اللوجستية، وحملات رائدة مثل حملة الراجحي، تستحق أن تكون نماذج يُحتذى بها في التميز التشغيلي. كما أن ما يتحقق في موسم الحج كل عام يجسد قدرة المملكة العربية السعودية على تحويل الخبرة المتراكمة إلى نموذج عالمي متفرد في إدارة الحشود وخدمة الإنسان، وهو إنجاز وطني يستحق الفخر والإشادة.
كتبه
د. محمد بن مبارك الشلوي
رئيس قسم الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز.
أستاذ الدراسات القضائية المشارك.
عضو لجنة الفصل في المخالفات والمنازعات التمويلية.



