cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

﴿فَقَدْ فَازَ﴾. …!!

 

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

“اللهُ لا يخذلُ قلبًا احتمى به، ولا يُضيعُ روحًا مشت إليه متعبةً ثم قالت: يا رب.”

ليستِ السعادةُ تلك التي يضعها الناسُ في إعلانٍ لامع، ولا تلك التي تُقاسُ بعدد الضحكات في الصور، ولا بحجم الرصيد، ولا بطول السفرات، ولا بعدد الذين يصفقون لك وأنت تمشي فوق خشبة الحياة كأنك بطلٌ خالد.
فكم من إنسانٍ ضحك حتى ظن الناس أن قلبه حديقة، بينما كان في داخله مقبرةً مؤجلة… وكم من رجلٍ نام على وسادةٍ حريرية لكنه استيقظ مفزوعًا لأن روحه كانت أفقر من متسوّلٍ يجلس على الرصيف ويقول: الحمد لله.
الدنيا بارعةٌ في الخداع… تبيع البشرَ أوهامًا مذهبة، ثم تتركهم في آخر الليل يتفقدون أرواحهم كما يتفقد الناجونُ أسماءهم بعد الحروب.
ولهذا جاء التعريفُ الإلهيُّ النهائيُّ للسعادة، لا تعريفَ فلاسفة المقاهي، ولا كتّاب التنمية الذين يبيعون الطمأنينة بالتقسيط، بل تعريفٌ نزل من عند الله العظيم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي بيده النجاة كلها، والذي لا سعادةَ إلا بقربه، ولا نجاةَ إلا برحمته، قال سبحانه في رسم المصحف المدني:
﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾
[آل عمران: 185]
يا لروعة هذا الاختصار المهيب…
لم يقل: فقد امتلك.
لم يقل: فقد اشتهر.
لم يقل: فقد انتصر على الناس.
بل قال: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾.
كأن الله سبحانه يهمس للبشر جميعًا:
اهدؤوا قليلًا… أنتم تتقاتلون على أشياء ستترككم أو تتركونها، بينما الفوز الحقيقي هناك، عند النجاة التي يمنحها الله لعباده برحمته ولطفه وهدايته.
كان الحسن البصري رحمه الله يقول: “ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجلٍ نام ثم استيقظ.”
ولهذا ترى بعض الناس يركضون خلف الدنيا كأنهم سيعيشون ألف عام، ثم يغضب أحدهم إن تأخرت قهوته خمس دقائق، بينما الموت يقترب منه بهدوءٍ أشد من اقتراب الليل من النوافذ.
وفي زماننا الحديث، حدثت قصةٌ مؤثرة لرجلٍ أعمالٍ عربي، كان يملك من الأموال ما يجعل الناس يحسدونه على مجرد يومٍ من حياته. سيارات، شركات، سفر، شهرة، وصورٌ يبتسم فيها كأنه يملك الأرض وما عليها.
لكن الرجل سقط فجأةً في أزمةٍ صحية، ودخل العناية المركزة أيامًا طويلة. وبعد خروجه ظهر في لقاءٍ متلفز وقال عبارةً هزّت كثيرين:
“أقسم بالله أنني داخل العناية تمنيت فقط أن أستطيع السجود دون ألم… لأول مرة فهمت أن الحياة ليست كما كنت أظن.”
هكذا يوقظ الله عباده بلطفه أحيانًا… لا ليعذبهم، بل لينقذ أرواحهم من الغرق في الوهم.
فالله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم، وهو جل جلاله لا يفتح باب التوبة إلا لأنه يريد النجاة لعباده، ولا يذكّرهم إلا لأنه يحب أن يرحمهم، ولا يبتليهم إلا بحكمةٍ يعلمها سبحانه، وهو الحكيم العليم، الرحمن الرحيم، الذي لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته وعدله ورحمته.
قال رسول الله ﷺ:
«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
رواه مسلم.
ولهذا كان الصالحون أكثر الناس طمأنينة رغم قلة ما بأيديهم، لأن قلوبهم لم تكن معلقةً إلا بالله.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: “أصبحتُ وما لي سرورٌ إلا في مواقع قدر الله.”
ولم يكن ذلك ضعفًا، بل قمة القوة؛ لأن الذي يعرف الله حقًا لا ينهار كلما اهتزّت الدنيا حوله.
حتى الفلاسفة الذين أرهقتهم الحياة أدركوا هذه الحقيقة متأخرين.
فهذا تولستوي يقول: “السعادة الحقيقية لا تحتاج ضجيجًا.”
وقال سيوران ساخرًا من أوهام البشر: “كلُّ إنسانٍ يظن أن تعاسته سببها أنه لا يملك ما عند الآخرين.”
أما غاندي فقال عبارته الشهيرة: “السعادة عندما ينسجم ما تفكر به مع ما تقوله وما تفعله.”
لكن المؤمن يدرك ما هو أعمق من ذلك كله… يدرك أن السعادة الحقيقية هي أن يرضى الله عنك، وأن تنجو يوم يفشل كل شيء إلا رحمة الله.
ويا للعجب…
كم من إنسانٍ بسيطٍ لا يملك إلا قوت يومه، لكنه يضحك من قلبه لأنه يعرف ربّه جيدًا، وكم من مشهورٍ يملك الدنيا ثم يبتلع الحبوب المنومة كأنه يحاول إقناع عقله بالنوم بعد أن عجزت الأموال عن إقناع روحه بالراحة.
إنها المفارقة الساخرة التي تجعل الحياة أحيانًا تبدو كفيلمٍ طويلٍ يركض فيه الجميع نحو السراب، بينما المؤمن الهادئ يجلس مطمئنًا لأنه عرف الطريق الحقيقي.
عرف أن الله وحده هو الأمان، وأن التعلق بغيره تعب، وأن الركض خلف رضا الناس حفرةٌ بلا قاع، وأن النجاة كل النجاة في قلبٍ يقول كل يوم: يا رب… لا تتركني لنفسي.
ولذلك فإن أعظم نعمةٍ قد يمنحها الله لعبدٍ ليست المال، ولا الشهرة، ولا النفوذ… بل الهداية والثبات والرحمة وحسن الخاتمة.
أن يراك الله وأنت تحاول، وتتعثر، ثم تعود إليه، فيغفر لك بلطفه وكرمه وجوده.
أيُّ شرفٍ أعظم من عبدٍ يحبه الله؟
وأيُّ فوزٍ أكبر من روحٍ نجت برحمة الله من النار ثم أُدخلت الجنة؟
في النهاية…
ستنطفئ أصوات العالم كلها، وستسقط الألقاب، وستذوب المقارنات، وسيفهم الجميع متأخرين أن الحياة لم تكن سباقًا على جمع الأشياء، بل رحلةً قصيرة للبحث عن رضا الله.
وهناك فقط… عند النهاية الحقيقية، سيعرف البشر معنى السعادة كما أرادها الله، لا كما باعتها الدنيا.
﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾
وما أعظمها من نهاية… حين يقول الله لعبدٍ متعبٍ صبر طويلًا: نجوت.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى