cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

سمعةٌ على حبلِ الغسيل…!!

 

 

“اللهُ ألطفُ بالقلوبِ المكسورةِ من ضجيجِ البشر، وأرحمُ بالمظلومِ من دموعه، وأعلمُ بمن صمتَ احترامًا لنفسه بينما كانتِ السكاكينُ تُشحذُ خلفَ ظهره.”

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

في الأزمنةِ القديمة، كان اللصُّ يخشى أن يُقبضَ عليه وهو يسرقُ كيسًا من المال، أما اليوم فبعضُ الناسِ يسرقونَ إنسانًا كاملًا دون أن يلمسوه.
يسرقونَ سمعته، صورته، مكانته، طمأنينته، ثم يجلسون بكل هدوء يشربون القهوة وكأنهم لم يطعنوا روحًا قبل دقائق.
يا الله… ما أقسى أن يتحولَ اللسانُ إلى مقصلة، والكلمةُ إلى رصاصة، والمجالسُ إلى ساحاتِ إعدامٍ جماعي للأبرياء.
ترى أحدهم يبتسمُ وهو يروي قصةً عن فلان، وكأنهُ يوزعُ النكتة، بينما هو في الحقيقة يوزعُ الخراب.
ولأن بعضَ البشرِ لا يملكونَ مجدًا حقيقيًا، فإنهم يصنعونَ بطولاتهم من تشويه الآخرين.
لقد انشغل كثيرٌ من الناسِ بحقوقهم المادية؛ هذا يطالبُ بمال، وذاك يلاحقُ إرثًا أو صفقةً أو عقدًا، بينما الحقوقُ المعنوية تُنتهكُ كلَّ يومٍ بلا خوف.
مع أن المالَ قد يعود، والخسارةَ قد تُعوّض، لكن ماذا عن إنسانٍ شوّهوا صورتهُ أمام أطفاله؟
ماذا عن امرأةٍ بكت لأن اسمها صار لعبةً في المجالس؟
وماذا عن رجلٍ خسرَ احترامَ الناسِ بسببِ إشاعةٍ خرجت من فمٍ عاطلٍ عن الضمير؟
العجيبُ أن بعضَ الناسِ يخافُ أن يخسرَ ريالًا واحدًا، لكنه لا يخافُ أن يحملَ يوم القيامة جبالًا من المظالم.
وكأن الكرامةَ البشريةَ شيءٌ ثانوي.
وكأن اللهَ سبحانه لا يسمعُ ولا يرى ولا يحاسب.
سبحانك يا رب…
ما أعظمَ حلمك على عبادك.
تسترُ المسيء، وتمهلُ الظالم، وتفتحُ أبوابَ التوبةِ لمن مزقوا قلوبَ الناسِ بألسنتهم، وكأنك تُعلّم البشرية أن الرحمةَ خُلُقٌ إلهي، وأن العدلَ الحقيقي بيدك وحدك، لا بيد المجالسِ ولا المنصاتِ ولا أفواهِ العابثين.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].
أيُّ تصويرٍ هذا؟
اللهُ جلّ جلاله لم يجعل الغيبةَ مجردَ خطأٍ اجتماعي، بل جعلها مشهدًا تنفرُ منهُ الأرواحُ السليمة.
لأن الإنسان حين يعتادُ الحديثَ في أعراضِ الناس، يفقدُ شيئًا من نقائهِ الداخلي، حتى لو بدا أنيقًا من الخارج.
وقال رسول الله ﷺ:
«المسلمُ من سلمَ المسلمونَ من لسانه ويده» متفق عليه.
تأملوا… بدأ باللسان قبل اليد.
لأن الجراحَ التي تصنعها الكلماتُ أحيانًا أعمقُ من جراحِ السكاكين.
قد ينسى الإنسانُ صفعةً قديمة، لكنه لا ينسى عبارةً حطمتهُ أمام الناس.
كان الإمامُ الشافعي رحمه الله يقول:
“إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا فتحَ له بابَ العمل، وأغلقَ عنه بابَ الجدل.”
أما الذين يعيشون على القيلِ والقال، فهؤلاء غالبًا لا يملكونَ شيئًا حقيقيًا يقدّمونه، لذلك يستثمرون في فضائح الآخرين كأنها مشاريعُ ترفيه.
وقال جلال الدين الرومي: “ارفعْ كلماتك، لا صوتك، فالمطرُ هو الذي ينبتُ الزهور لا الرعد.”
لكن بعضَ البشرِ لا يعرفونَ كيف يلمعون إلا إذا أطفؤوا غيرهم.
يبحثونَ عن عيب، عن سقطة، عن إشاعة، ثم ينشرونها بسرعةِ حريقٍ في مدينةٍ من ورق.
وفي عصرِ الصحابة، جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينقلُ كلامًا عن أحد الناس، فنظر إليه عمر وقال: “إن شئتَ نظرنا في أمرك؛ فإن كنتَ كاذبًا فأنتَ من أهلِ هذه الآية: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وإن كنتَ صادقًا فأنتَ من أهلِ هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾.”
فسكتَ الرجلُ كأنما سقطَ على قلبه جبل.
هكذا كانت القلوبُ الحية…
كانت تخافُ من الكلمة كما يخافُ الناسُ اليوم من الفضيحة.
أما الآن، فبعضُ الناسِ ينشرُ الإشاعةَ وهو مستلقٍ على سريره، ثم يغلقُ هاتفهُ وينام، غير مدركٍ أن هناك إنسانًا آخر يبكي بسببه.
ومن القصصِ الحديثة المؤلمة، أن شابًا انتشرت عنه إشاعةٌ ظالمة عبر وسائل التواصل، حتى خسرَ عملهُ وخسرَ أصدقاءه.
كان كلُّ شيءٍ ينهارُ حوله بسرعةٍ مرعبة، فقط لأن أحدهم قررَ أن يختلقَ قصة.
صمتَ طويلًا، ولم يردَّ بالإساءة، وكان يردد: “الله يعلم.”
وبعد شهور، ظهرت الحقيقة، واعترفَ صاحبُ الإشاعة بعد أن افتضح أمره، فعاد الشابُّ إلى عمله مرفوعَ الرأس.
وحين سُئل: ما أكثرُ شيءٍ أوجعك؟
قال: “ليس الكذب… بل سهولة تصديق الناس له.”
يا الله…
كم هو موجعٌ هذا العالم أحيانًا.
لكن الأجمل أن الله لا ينسى المظلومين، ولا يضيعُ عندهُ انكسارُ قلب، ولا تخفى عليه دمعةُ إنسانٍ صبرَ احترامًا لنفسه.
ومن السخريةِ المؤلمة، أن أكثرَ الناسِ حديثًا عن الأخلاق قد يكونونَ أكثرَ الناسِ قسوةً في الخفاء.
يكتبُ أحدهم منشورًا عن الطيبة، ثم يقضي مساءهُ في تمزيقِ سمعةِ الآخرين.
يريدُ رحمةَ الله، لكنه لا يرحم عبادَ الله.
يريدُ الستر، لكنه يتلذذُ بكشفِ العيوب.
ينزعجُ من كلمةٍ صغيرةٍ قيلت عنه، بينما هو يوزعُ الطعناتِ بالجملة.
إن الحقوقَ المعنوية ليست رفاهية أخلاقية، بل هي من أعظمِ ما يحفظُ إنسانيةَ المجتمعات.
فالإنسانُ قد يعيشُ فقيرًا لكنه مرفوعُ الرأس، أما إذا انكسرت سمعته ظلمًا، فإنه يشعرُ وكأن العالمَ كله يضيقُ فوق صدره.
لذلك، قبل أن تنقلَ كلامًا، تذكّر أن الله يسمعك.
وقبل أن تضحكَ على قصةِ أحد، تذكّر أن الله يراك.
وقبل أن تؤذي إنسانًا بإشاعة، تذكّر أنك قد تحتاجُ يومًا إلى سترِ الله أكثرَ من حاجتك إلى تصفيقِ الناس.
فيا رب… طهّر ألسنتنا من الأذى، وقلوبنا من القسوة، واجعلنا ممن يعمرونَ الأرضَ بالسترِ لا بالفضائح، وبالرحمةِ لا بالشّماتة، وبالنورِ لا بالخراب.
سبحانك… ما أعظمَ عدلك، وما أوسعَ رحمتك، وما ألطفَك بعبادك حين تضيقُ بهم الأرضُ بما قالهُ الناس عنهم.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى