حينما ينقذ (مشرط الإصلاح) مستقبل الأمة، (من التعليم للشهادة إلى التعليم للحياة) .

في غرف العمليات، يعرف الأطباء عدواً خفياً يسمى (الغرغرينا) . هذا المرض لا يهاجم فجأة، بل يتسلل بصمت حين يهمل مريض السكري صحته لسنوات. تبدأ القصة بفقدان الإحساس في الأطراف، تموت الأعصاب، وتتوقف الدماء عن الجريان، وتصبح الأنسجة (مستنقعاً) للبكتيريا دون أن يشعر المريض بأي ألم ينبهه. وحين يكتشف الأمر، غالباً ما يكون الوقت قد فات، ويكون (البتر) هو الحل الوحيد المر.
الغرغرينا التعليمية.. والتشخيص المبكر.
ان هذا المشهد الطبي هو أدق وصف لما واجهته الأنظمة التعليمية التقليدية لسنوات. حين ينفصل ما يدرسه الطالب في الجامعة عما يطلبه سوق العمل، نحن هنا نعيش حالة (فقدان إحساس) تعليمي. الجامعات كانت تضخ خريجين يحملون شهادات (ورقية)، لكن عروقهم المهنية خالية من (دماء المهارة) التي يحتاجها اقتصاد اليوم. والنتيجة؟ جيل يواجه العطالة رغم تفوقه الدراسي، تماماً كالأطراف التي تموت لأن الدم لا يصل إليها. والجراحة الاستباقية هي الحل وهي ثورة الجامعات الجديدة. لكن القصة هنا لا تنتهي بالبتر، بل بالإنقاذ. نحن اليوم نشهد عملية (إصلاح تعليمي كبرى في جامعاتنا، يقودها فكر يستشعر الخطر قبل وقوعه. لقد انتقلنا من عقلية (التعليم من أجل الشهادة) إلى (التعليم من أجل التوظيف) .
هذا التحول ليس مجرد تغيير في المناهج، بل هو (إعادة نبض) . إنها الجرأة في اتخاذ قرارات تضمن أن الشاب لا يخرج من الجامعة ليقف في طابور الانتظار، بل ليقود الدفة في سوق العمل. نحن نبني اليوم (مناعة مهنية) لأبنائنا، فالعامل الذي يمتلك المهارة الحقيقية لا تكسره الأزمات الاقتصادية، ولا يخاف من تقلبات الزمن، لأنه أصبح (عصياً على الاستغناء) .
لماذا نحن واثقون؟
إن ما يحدث اليوم في أروقة جامعاتنا هو أداء للأمانة تجاه هذا الوطن. نحن لا نبيع أوهاماً، بل نعدُّ أجيالاً تعيش بعزة ورخاء.
فالشهادة كانت نهاية الطريق في الماضي.والمهارة هي بداية الطريق في الحاضر والمستقبل.
لقد أدركت القيادات التعليمية أن (الخداع) الذي تمارسه الشهادات الورقية دون علم حقيقي هو الذي يقتل طموح الأمم، فقررت استئصال هذا الجمود وزرع مهارات حيوية (ذكاء اصطناعي، تقنيات حديثة، صناعة ) لتكون هي المحرك الجديد للنمو.
واخيرا ،إننا نسير بخطى واثقة تحت قيادة لا ترضى بغير النجاح بديلاً. فلقد انتهى زمن (المستنقعات التعليمية) التي تخرج العاطلين، وبدأ عصر (الحاضنات) التي تصنع المبدعين. إنها رحلة من الظلام إلى النور، ومن المرض إلى التعافي، لنضمن أن كل شاب وفتاة في هذا الوطن هم أعضاء فاعلة، تنبض بالحياة، وتصنع المجد.
د. حسين العسيري.
طبيب وخبير ذكاء اصطناعي.



