cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

عشرون عاماً على الرحيل ..في رثاء من لم يغادر الذاكرة

بقلم: أبوطالب محمد دغريري

يقولون إن الزمن كفيلٌ بمحو الندوب، وتعاقب الأيام يُنسي لوعة القلوب؛ لكنّ عشرين عاماً مضت على رحيل والدي (رحمه الله) لم تكن إلا برهاناً على أن بعض الغياب حضورٌ متجدد، وبعض الفقد لا يزيده التقادم إلا رسوخاً وتجذرًا. لم يكن والدي مجرد عابرٍ في قطار الحياة، بل كان محطةً من الطهر، ومنارةً من النبل، نسترشد بذكراها كلما أظلمت سبل الحياة.

​لقد عرفه الناس هادئ الطباع، سليم الجنان، عف اللسان. كان “دَمِثَ الخلق” لا تملُّ مجالسته، “جميل المنطق” لا تخيب مراجعته. عاش بيننا بقلبٍ يتسع للجميع، وروحٍ تفيض بالود الوديع. لم يكن يعرف الضغينة طريقاً إلى صدره، ولا الخيلاء سبيلاً إلى فكره. كان يسير بين الناس بالسكينة والوقار، ويقابل الإساءة بالإحسان والاصطبار، فغدا ذكره عطراً يتضوع في المجالس، ونوراً يضيء في ليل الهواجس.

​وعندما زاره المرض، وطرق بابه السقم، رأينا فيه ما يعجز عنه الوصف من جليل الحلم وعظيم الفهم. كانت معاناة جسده تزداد، فما يزداد هو إلا ثباتاً ورشاداً. لم نره شاكياً إلا لله، ولا جزعاً مما قضاه الله. كان يبتسم والوجع ينهكه، ويحمد والضنى ينهشه، كأنه كان يتطهر من كدر الدنيا بصبر الصالحين، ويستعد للقاء ربه بقلب المخبتين. كانت أناته تسابيح، ونظراته نصائح وتصاريح، حتى غادرنا بصمت الأنقياء، ورحل عنا بشموخ الأتقياء.

​عشرون عاماً مرت، وتبدلت فيها الوجوه، وتغيرت الأحوال، وظلّ والدي هو الثابت الذي لا يميل، والظل الذي نستريح تحت فيئه الظليل. إن رحيل الآباء ليس نهاية للصلة، بل هو انتقالٌ ببرهم من عالم المشاهدة إلى عالم الغيب؛ فإذا انقطع اللقاء الجسدي، فإن حبل الدعاء ممدود، وأثر الصدقة مشهود.
​عشرون عاماً مضت، وما زلنا نبرّك يا أبي بالاستغفار في السحر، وبالسير على نهجك الذي غرسته فينا من صدقٍ وصبر. إن الوفاء لذكراك ليس في ذرف الدموع فحسب، بل في أن نكون امتداداً لصلاحك، وثمرةً لغرسك الطيب. فنم قرير العين، فقد تركت وراءك قلوباً لا تنساك، وألسنةً لا تفتر عن سؤال الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته، حيث لا وجع يضنيك، ولا فراق يشجيك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى