cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

*زمن العقول المستعارة عندما تصنع الآلة مجد المؤلفين*

*خواطر ابن فضل*

*د. محمد فضل محمد*

لم يكن الكتاب يومًا مجرد أوراق بين غلافين، بل كان وعاءً للفكر، ومرآةً للعقل، وشاهدًا على نبوغ الإنسان وسعة اطلاعه. غير أننا اليوم أمام ثورة معرفية يقودها الذكاء الاصطناعي، تثير تساؤلًا عميقًا: هل نحن مقبلون على عصر تتراجع فيه القراءة، ويذبل فيه الإبداع، وتصبح الآلة بديلًا عن العقل المفكر؟
لقد أصبح الوصول إلى المعرفة أيسر من أي وقت مضى؛ فما كان يستغرق أيامًا من البحث والتنقيب بات متاحًا في لحظات. ولكن الخشية أن يتحول الإنسان من منتج للمعرفة إلى مستهلك لها، ومن عقل يبحث ويحلل ويستنبط إلى متلقٍّ يكتفي بالإجابات الجاهزة.
فالقراءة ليست مجرد تحصيل للمعلومات، وإنما هي صناعة للعقل، وتهذيب للذائقة، وتوسيع للمدارك. وشتان بين من يقرأ كتابًا فيعيش مع مؤلفه رحلة التفكير والاستدلال، ومن يكتفي بملخص تصوغه الآلة في ثوانٍ.
ومهما بلغت التقنية من تطور، فسيبقى للكتاب الورقي بهاؤه وهيبته؛ فما أجمل أن تتناول كتابًا من مكتبتك، فتجد بين صفحاته تعليقًا كتبته قبل عقود، أو إهداءً بخط مؤلفه، يحمل ذكرى لقاء ومودة لا يمحوها الزمن! عندئذ لا يكون الكتاب مصدرًا للمعرفة فحسب، بل وثيقة إنسانية تختزن شيئًا من روح صاحبها.
وعندما نتأمل مؤلفات السابقين، ندرك عظمة ما بذلوه من أعمارهم في البحث والتحقيق والتأليف، وما امتلكوه من صبر وعمق وسعة اطلاع، حتى غدت كتبهم شواهد على أصالة الفكر وعبقرية الإبداع.
أما الخطر الأكبر فيكمن في أن يفتح الذكاء الاصطناعي سوق التأليف لكل من هب ودب، فتزدحم المكتبات بمؤلفات براقة العناوين، أنيقة الأغلفة، لكنها خاوية من فكر أصحابها، حتى يصبح صاحب الفكر الضحل مؤلفًا، ومن لا يحسن بناء فكرة قادرًا على إصدار كتاب!
وهنا تتجلى المفارقة: قد تتضاعف أعداد المؤلفين، بينما تتناقص العقول المبدعة، وتفيض المكتبات بالكتب، بينما تفتقر إلى الأفكار الأصيلة.
وليس الذكاء الاصطناعي شرًا في ذاته؛ فهو أداة عظيمة إذا أحسن الإنسان توظيفها، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول من معين للعقل إلى بديل عنه، ومن وسيلة للإبداع إلى ستار يخفي العجز الفكري.
إنني لا أخشى اختفاء الكتاب الورقي بقدر ما أخشى ظهور جيل يمتلك وسائل المعرفة، ويفتقر إلى ملكة التفكير، ويجيد استدعاء الإجابات، ويعجز عن إنتاج الأفكار.
فليست مأساة المستقبل أن تكتب الآلة كما يكتب الإنسان، وإنما أن يتوقف الإنسان عن التفكير لأنه وجد آلة تفكر وتكتب نيابة عنه.
وعندما يصبح التأليف متاحًا للجميع، لن تكون الندرة في الكتب، بل في العقول التي تستحق أن نقرأ لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى