لا تذبحوا المودة على مذبح الخلاف
خواطر ابن فضل

*د. محمد فضل محمد*
ليس أشد إيلامًا للنفس من جراح تأتيها ممن تربطها بهم وشائج القربى وأواصر المودة، ولا أقسى من أن يُلام المرء بغير بينة، أو يُدان بوشاية، أو يُخاصم لاختلاف في وجهات النظر، حتى تتحول المودة إلى جفاء، والقربى إلى قطيعة. وصدق الشاعر حين قال: وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً …على المرءِ من وقعِ الحسامِ المُهنَّدِ
إن من أعظم آفات العلاقات التسرع في الأحكام، وتصديق الوشايات، وإساءة الظن. وقد وضع القرآن ميزانًا للإنصاف، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. وحذر النبي ﷺ بقوله: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه. فكم من رحم قُطعت بخبر لم يُتحقق منه، وكم من مودة أُهدرت بسبب كلمة أسيء فهمها!
وليس الاختلاف في الرأي مسوغًا للخصومة؛ فالنفوس تتفاوت، والعقول تتباين، وإنما الشر في تحويل الاختلاف إلى نزاع تستحكم به الأحقاد. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. ولذلك حذر الشرع من المراء المذموم، فقال ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» رواه أبو داود، وحسنه أهل العلم.
وما أعظم أن يرتفع الإنسان فوق حظوظ نفسه، فيؤثر سلامة القلوب على لذة الانتصار، ويتنازل عما لا يمس دينه ولا يهدر حقًّا واجبًا، صيانةً للمودة وإطفاءً للفتنة! قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40]. وقال ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم.
وأخطر ما تؤول إليه الخصومات قطيعة الأرحام، وهي من كبائر الذنوب. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23]. وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع» متفق عليه، أي قاطع رحم. بل جعل النبي ﷺ حقيقة الصلة في الإحسان إلى من أساء، فقال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
إن الحياة أقصر من أن تُستنزف في الخصومات، والقرابة أكرم من أن تُذبح على مذبح الظنون والكبرياء. فليس كل تنازل هزيمة، ولا كل انتصار مكسبًا؛ فقد تخسر جدالًا وتربح أخًا، وتعفو عن إساءة فتحفظ رحمًا، وتغلب نفسك فتنال رضا ربك.
فليكن شعارنا: نختلف بلا تباغض، ونتعاتب بلا تجريح، ونتسامح بلا منٍّ؛ فما أعظم أن ينتصر الإنسان على نفسه ليحفظ من يحب، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 128].



