زوجة واحدة تكفي فما الذي يدفع الرجل إلى الثانية؟
خواطر ابن فضل

د. محمد فضل محمد
قد يبدو هذا العنوان مثيرًا للدهشة، وربما يظن بعض القراء أنني أعارض تعدد الزوجات، أو أضيّق فيما أباحه الله، وحاشا لله أن أعارض حكمًا شرعيًا ثبت بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
ولكنني أتحدث عن حقيقة تستحق التأمل: متى تكون الزوجة الواحدة عالمًا مكتملًا في حياة زوجها، ومتى يبدأ الرجل التفكير في الثانية؟
إن المرأة الحكيمة ليست التي تشارك زوجها مسكنه فحسب، وإنما التي تسكن قلبه، وتدرك احتياجاته النفسية والعاطفية والجسدية، وتحسن عشرته، وتراعي ظروفه، وتمنحه من المودة والاهتمام ما يجعل بيته موطن راحته، وحياته معها مصدر سعادته.
وقد جعل الله السكينة والمودة والرحمة من أعظم مقاصد الزواج، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
ومن يتأمل واقع بعض الأسر يجد أن تراكم المطالب، واستمرار الخلافات، وجفاف المشاعر، وإهمال الحقوق الزوجية، قد يحوّل البيت من واحة للسكينة إلى ساحة للخصومات، وربما دفع بعض الرجال إلى التفكير في الزواج بأخرى، وإن كان التعدد قد يقع لأسباب لا علاقة لها بتقصير الزوجة.
وهنا أوجه نصيحتي إلى كل زوجة: لا تجعلي زوجك يشعر بالغربة وهو بين أهله، ولا تثقلي كاهله بمطالب تفوق استطاعته، ولا تجعلي الخلافات العابرة تهدم سنوات من المودة والعشرة. كوني له سكنًا ورفيقة عمر، تحفظ وده، وتشاركه هموم الحياة وأفراحها.
وأخص بالنصيحة من رافقت زوجها رحلة العمر، ثم إذا وخط الشيب مفرقه، ووهن عظمه، واشتدت حاجته إلى الأنس والرعاية، قابلته بالجفاء أو الهجر. فأي وفاء أعظم من أن تكون المرأة لزوجها في خريف عمره أكثر رحمة وحنانًا مما كانت عليه في ربيع شبابه؟
وفي المقابل، فإن الزوجة ليست مجرد وسيلة لإشباع رغبات الرجل أو أداء واجباته المنزلية، بل إنسانة لها مشاعرها واحتياجاتها وكرامتها. ومن تمام الرجولة أن يلاطف الرجل زوجته، ويداعبها، ويؤانسها، ويصغي إلى حديثها، ويحتوي مشاعرها، ويشعرها بأنها شريكة حياته لا مجرد مؤدية لحقوقه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاطف أزواجه، وسابق عائشة رضي الله عنها، وقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي.
وخلاصة القول: إن الزوجة الواحدة قد تكفي الرجل، لا لأنها أغلقت أمامه أبواب الحلال، وإنما لأنها فتحت له أبواب السعادة، كما أن الزوج الصالح لا يكتفي بالمطالبة بحقوقه، بل يتفنن في إسعاد زوجته. فالحياة الزوجية لا تزدهر بكثرة المطالب، وإنما بتبادل المودة والرحمة والوفاء.



