*عندما تنقلب الصداقة إلى عداوة أين يكمن الخلل؟
*خواطر ابن فضل*

*د. محمد فضل محمد*
ليس أشد إيلامًا من عداوة تأتيك ممن ظننته يومًا أقرب الناس إلى قلبك، ولا أقسى على النفس من أن يتحول مستودع أسرارك إلى خصم، ورفيق دربك إلى غريم، ومن كنت تأنس بقربه إلى من تؤلمك رؤيته!
فما الذي يجعل الصداقة، بعد سنوات من الألفة والمودة، تنقلب إلى خصومة وعداوة؟ وهل تغيرت القلوب، أم أن المواقف كشفت معادن النفوس، وأسقطت أقنعة أخفت وراءها ما لم تكن تكشفه الأيام الجميلة؟
إن الصداقة ليست بطول العشرة، ولا بكثرة اللقاءات، ولا بتبادل عبارات المحبة والثناء، وإنما هي رابطة أخلاقية قوامها الصدق والوفاء والإيثار، ومعدنها الأصيل يظهر حين تتعارض المصالح وتتباين المواقف.
ولعل أخطر ما يفتك بالصداقة أمراض النفوس التي تتسلل إليها في صمت؛ فالأنانية تجعل صاحبها لا يرى إلا نفسه، والحمق يدفعه إلى إساءة فهم المواقف، والغيرة تحوّل نجاح الصديق إلى مصدر ضيق، أما الحسد فيبلغ بصاحبه أن يتمنى زوال نعمة أخيه، وربما سعى إلى تحقيق طموحاته على أنقاض إخفاق صاحبه، وكأن المجد لا يتسع لاثنين!
وقد تجتمع هذه الصفات في أحد الصديقين، وربما اشترك فيها الطرفان، فتتراكم الظنون، وتتسع الفجوة، وتتحول المودة إلى جفاء، حتى يصبح أقرب الناس بالأمس أبعدهم اليوم.
ومن هنا جاءت عناية الإسلام باختيار الصاحب؛ فقد قال النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو داود والترمذي.
وليس كل من صاحبته في العمل، أو جالسته في المجالس، جديرًا بأن تمنحه ثقتك؛ فالمجالس قد تجمّل الطباع، والمصالح قد تستر العيوب، ولكن المواقف الصعبة تكشف ما تخفيه الابتسامات.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل رجلًا زكّى آخر: «هل سافرت معه؟» وسأله عن معاملته بالدينار والدرهم؛ لأن السفر والمعاملة يكشفان من أخلاق الرجال ما لا تكشفه المجالس العابرة.
فالصديق الوفي لا تضيق نفسه بنجاحك، ولا تسعده عثرتك، ولا يتخذ من أسرارك سلاحًا عند الخصومة، بل يحفظ لك الود وإن اختلف معك، ويصون كرامتك وإن افترقت طرقكما.
وليس كل خلاف نهاية للصداقة؛ فالنفوس الكريمة تتسع للاختلاف، والقلوب النقية لا تجعل من العتاب عداوة، ولا من التباين قطيعة.
وأخيرًا، لا تغتر بطول الصحبة، فبعض العلاقات تعيش سنوات على وهم المودة، ثم تكشفها لحظة امتحان.
فاختر صديقك بعقلك قبل قلبك، ولا تمنح أسرارك إلا لمن اختبرت معدنه؛ فالصداقة لا يقتلها اختلاف الرأي، وإنما يقتلها حين يسقط الوفاء، وينتصر الحسد، وتموت المروءة.



