cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

خواطر ابن فضل…ما لا تقيسه الأرقام تدركه موازين السماء

*د. محمد فضل محمد*

في زمن أصبحت فيه الأرقام لغة المؤسسات، ومؤشرات الأداء مقياسًا للنجاح، وقياس الأثر معيارًا للحكم على جدوى المشاريع والمبادرات، تبرز حقيقة تستحق التأمل: ليس كل إنجاز عظيم تصفه الأرقام، ولا كل أثر جليل تستطيع المؤشرات الإحاطة بقيمته.
لقد شهد العمل الإنساني والمجتمعي تحولًا محمودًا من الاهتمام بحجم الإنجاز إلى التركيز على نوعيته، ومن حصر النجاح في كثرة البرامج والمستفيدين إلى النظر فيما تُحدثه تلك البرامج من تغيير في حياة الإنسان. غير أن هذا التحول، على أهميته، قد يفقد شيئًا من مقاصده النبيلة حين يُختزل الأثر في نتائجه المادية، وتغيب عن معايير التقييم مكاسب إنسانية وإيمانية قد تكون أعظم شأنًا وأبقى أثرًا.
فالإنسان ليس رقمًا في تقرير، ولا حالة في سجل، ولا تكلفة في ميزانية، وإنما هو نفس كرّمها الله، وحياة تتجدد فيها فرص الخير، وقلب قد تصنع فيه لحظة إحسان ما تعجز عنه سنوات من العطاء المادي.
ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك ما تبذله المؤسسات الخيرية والمحسنون في علاج المصابين بالأمراض المستعصية، حيث قد تُنفق مبالغ كبيرة على مريض واحد، دون أن يتحقق الشفاء الكامل، أو تكون النتائج الطبية محدودة قياسًا بحجم الإنفاق. فهل يعني ذلك أن هذا العطاء كان قليل الجدوى، أو أن أثره لا يستحق التقدير؟
إن النظر إلى هذه المسألة بمنظار مالي مجرد يُغفل أبعادًا عظيمة من مقاصد الإحسان؛ فقد يسهم العلاج في تخفيف الألم، ورفع المعاناة، وإدخال الطمأنينة على قلب المريض، وبث الأمل في نفس أسرته. وقد يكون من ثمراته أن يمد الله في عمره، فتُفتح أمامه أبواب من الخير لم تكن لتُفتح لولا فضل الله ثم ما تيسر له من أسباب العلاج والرعاية.
وما أعظم أن يُمنح الإنسان فرصة جديدة ليكون عبدًا لله، ذاكرًا له، شاكرًا لنعمه، تائبًا من ذنوبه، مقبلًا على طاعته، مستكثرًا من صالح الأعمال! فرب مريض امتد به العمر أيامًا أو أشهرًا، فكانت من أنفس أيام حياته؛ تاب فيها توبة نصوحًا، أو حافظ على صلاة، أو وصل رحمًا، أو رد مظلمة، أو أصلح ما بينه وبين ربه والناس. فأي ميزان مادي يستطيع أن يحيط بعظمة هذه المكاسب؟
وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ فقال: «من طال عمره وحسن عمله» رواه الترمذي. فليست قيمة العمر في امتداده المجرد، وإنما فيما يُعمر به من طاعة الله وصالح الأعمال. وإذا كان من أعظم المكاسب أن يُرزق الإنسان عمرًا يزداد فيه قربًا من ربه، فإن الإسهام في علاجه ورعايته قد يكون سببًا في تهيئة هذه الفرصة المباركة.
ثم إن في هذا العطاء بابًا آخر من أبواب الفضل، يتمثل فيما يُرجى للمحسن من أجر البذل والرحمة وتفريج الكربات. يقول الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» رواه مسلم. فقد لا يتحقق الشفاء المنشود، ولكن الإحسان لا تضيع قيمته، والعطاء الصادق لا يذهب هباءً عند الله.
وهنا تتجلى عظمة المنظور الإسلامي للعمل الإنساني؛ فهو يجمع بين حفظ النفس، وتخفيف المعاناة، وصيانة الكرامة، وابتغاء مرضاة الله، دون أن يجعل النتائج المادية وحدها حاكمة على قيمة المعروف.
ولا يعني استحضار هذه المعاني إغفال كفاءة الإنفاق أو الجدوى الطبية؛ فالأمانة تقتضي حسن التدبير، والعدل يوجب مراعاة احتياجات المرضى، والمسؤولية تستلزم توجيه الموارد إلى ما يحقق أعظم منفعة ممكنة. غير أن الكفاءة لا ينبغي أن تتحول إلى حسابات جامدة تُغفل ما يتركه الإحسان من أثر في حياة الإنسان ونفسيته وكرامته.
ومن هنا، فإن المؤسسات الإنسانية مدعوة إلى تبني مفهوم أكثر شمولًا لقياس الأثر، لا يكتفي بعدد المستفيدين أو نسب التعافي أو تكلفة الخدمة، وإنما يستوعب كذلك ما تحقق من تخفيف للآلام، وتعزيز للأمل، وتخفيف لمعاناة الأسر. أما الثواب الأخروي، فهو قيمة إيمانية يُستحضر فضلها، دون ادعاء القدرة على قياسها أو الإحاطة بمقدارها، فذلك إلى الله وحده.
إننا بحاجة إلى إعادة النظر في الأسئلة التي نحاكم بها أعمالنا الإنسانية؛ فلا نسأل فقط: كم أنفقنا؟ وكم عالجنا؟ وكم حققنا من نتائج؟ بل نسأل أيضًا: كم ألمًا خففنا؟ وكم كربة فرّجنا؟ وكم إنسانًا أعناه على أن يعيش بكرامة وطمأنينة؟
إن أعظم استثمار إنساني ليس بالضرورة ما يحقق أعلى عائد مادي، وإنما ما يصون حياة، أو يخفف معاناة، أو يفتح بابًا للخير، أو يمنح إنسانًا فرصة ليزداد قربًا من الله.
وإذا كانت الأرقام ضرورية لضبط الأداء وتطوير المؤسسات، فإنها تظل أدوات لقياس جانب من الأثر، وليست موازين نهائية للحكم على عظمة العطاء.
فلا تجعلوا الأرقام تحجب عنكم عظمة الإحسان، ولا تجعلوا محدودية النتائج تُنسيكم جلال المقاصد؛ فما كل أثر يُقاس، وما كل عطاء تُدرك قيمته في الدنيا، وما عند الله خير وأبقى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى