خواطر ابن فضل..المملكة تصنع السلام والحوثيون يزرعون الموت إلى متى يكتفي العالم بالإدانة؟

*د. محمد فضل محمد*
ثمة مفارقة صارخة تضع الضمير العالمي أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعاراته في حماية الإنسان وصيانة السلم والأمن الدوليين؛ فبينما تمد المملكة العربية السعودية جسور الخير إلى شعوب العالم، وتنفق المليارات لإغاثة المنكوبين وإطعام الجائعين وعلاج المرضى وإعمار ما دمرته الحروب، تتعرض أراضيها لاعتداءات حوثية تستهدف أمنها ومنشآتها المدنية، وتعرّض حياة الأبرياء للخطر. فأي منطق يقبل أن تتحول دولة جعلت من السلام رسالة، ومن العطاء منهجًا، إلى هدف لاعتداءات تهدد أمنها واستقرارها؟
إن المملكة ليست مجرد قوة سياسية واقتصادية، وإنما هي واحة أمن وطمأنينة، ومهوى أفئدة المسلمين، وموطن الحرمين الشريفين، يجد فيها المواطن والمقيم والزائر أسباب الحياة الكريمة. وأقول ذلك من واقع معايشتي لهذه البلاد المباركة، وما لمسته من عناية بالإنسان وصيانة لكرامته، في نموذج يجمع بين قوة الدولة وسمو رسالتها الإنسانية.
ولم يكن السلام في السياسة السعودية شعارًا عابرًا، بل نهجًا تشهد عليه مواقف التاريخ؛ فقد رعت المملكة اتفاق مكة المكرمة بين الأشقاء الفلسطينيين عام 2007، واستضافت لقاءات للمصالحة الأفغانية، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء. وفي السودان، الذي أنهكته الحرب، احتضنت مدينة جدة المحادثات بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، سعيًا إلى وقف القتال وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. كما امتدت جهود المملكة إلى إجلاء آلاف الأشخاص من جنسيات متعددة عند اندلاع الحرب، في مشهد جسّد مسؤوليتها الإنسانية التي لا تحدها الجغرافيا.
ولعل لغة الأرقام أصدق تعبيرًا عن حجم هذا العطاء؛ فمنذ عام 1975م حتى عام 2024م، قدمت المملكة العربية السعودية مساعدات إنمائية تقارب 131 مليار دولار أمريكي، شملت 171 دولة، ونُفذ من خلالها أكثر من 7,090 مشروعًا إنسانيًا وإغاثيًا وتنمويًا. وليست هذه المليارات مجرد أرقام في سجلات الإنفاق، بل حياة تُنقذ، وجوع يُدفع، ومرضى يُعالجون، ومجتمعات تستعيد قدرتها على النهوض.
وأمام هذا السجل الإنساني، يفرض السؤال نفسه: لمصلحة من تُستهدف المملكة؟ ومن المستفيد من زعزعة أمنها ومحاولة الإضرار باقتصادها وتعطيل مسيرتها التنموية؟
إن الاعتداءات الحوثية على الأراضي السعودية لا تمثل انتهاكًا لسيادة دولة فحسب، بل تهديدًا لأمن المنطقة واستقرارها، ومساسًا بالمصالح الاقتصادية والإنسانية التي تتجاوز حدود المملكة. وقد أعادت التقارير عن الاعتداءات الأخيرة على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما صاحبها من أنباء عن قتلى ومصابين، إلى الواجهة خطورة استهداف المنشآت المدنية. فأي قضية تبيح قتل الأبرياء؟ وأي شعار سياسي أو ديني يمنح أصحابه حق ترويع الآمنين وتعريض حياتهم للخطر؟
إن الاقتصاد السعودي، بما يتمتع به من قوة ومتانة، قادر على مواجهة التحديات، غير أن المتضرر الأكبر من محاولات استهدافه هي الدول والشعوب التي تنتفع بمساعدات المملكة ومشروعاتها التنموية والإنسانية.
ولئن صدرت إدانات عربية ودولية لهذه الاعتداءات، فإن الإدانة وحدها لا تكفي لوقفها. فبيانات الشجب والاستنكار، مهما بلغت قوة عباراتها، لا تحقق الردع ما لم تسندها إجراءات فاعلة تضع حدًا لتكرار العدوان. والمطلوب من المجتمع الدولي موقف حازم يترجم الإدانة إلى إجراءات قانونية وسياسية واقتصادية تُلجم هذه المليشيا، وتمنع وصول السلاح والتمويل إلى مرتكبي الاعتداءات، وتُخضع المسؤولين عنها للمساءلة، وتطال كل جهة يثبت تورطها في دعمها أو تسهيل جرائمها.
إن التساهل مع الاعتداءات على المدنيين والمنشآت المدنية يهدد هيبة القانون الدولي، ويضعف فرص السلام، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن تكرار العدوان قد يمر دون عواقب رادعة. ولا يجوز أن تكون حماية المدنيين مبدأ انتقائيًا، أو أن تخضع حرمة الدماء لحسابات المصالح السياسية؛ فالعدالة لا تتجزأ، وأمن الشعوب ليس مجالًا للمساومة.
إن أمن المملكة ليس شأنًا سعوديًا خالصًا، بل ركيزة لاستقرار الخليج والعالمين العربي والإسلامي، وعنصر مهم في أمن الاقتصاد العالمي، فضلًا عن مسؤوليتها العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية ملايين الحجاج والمعتمرين والزائرين.
ولقد أثبتت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، أن مكانة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من قوة اقتصادية وعسكرية فحسب، وإنما بما تقدمه للإنسانية من عطاء، وما تسهم به في إرساء دعائم السلام والتنمية والاستقرار.
إن السلام لا تحميه البيانات وحدها، ولا تصونه الإدانات التي لا تتبعها مساءلة؛ وإنما تحميه إرادة دولية جادة تجعل للعدوان عواقب، وللقانون هيبة، ولأرواح الأبرياء حرمة لا يجوز انتهاكها. فمن يريد السلام حقًا، عليه ألا يكتفي بإدانة من يهدده، بل أن يعمل على وقف اعتداءاته وتجفيف منابع تمويله وتسليحه، وفق أحكام القانون الدولي.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وردّ كيد المعتدين، وجعلها منارة للخير والسلام والعطاء الإنساني.



