الحوثيون وداعش وجهان لعملة واحدة في صناعة الموت واستباحة الدماء

بقلم ـــ د. محمد فضل محمد
عندما تصبح الشعارات ستارًا لسفك الدماء، ويتحول ترويع الآمنين إلى وسيلة لفرض الإرادة، تسقط الأقنعة أمام بشاعة الأفعال. فمهما اختلفت أسماء الجماعات المسلحة وتعددت راياتها، فإن استهداف الأبرياء وتهديد أمن المجتمعات يكشفان عن تشابه خطير في ممارساتها، وهو ما يتجلى في جرائم الحوثيين والقاعدة وداعش.
ولم تكن الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية أولى المحاولات الآثمة للنيل من أمنها واستقرارها؛ فقد سبقتها جرائم تنظيم القاعدة، وفي مقدمتها تفجيرات الرياض عام 2003م، التي أزهقت أرواح الأبرياء وروّعت الآمنين. ثم جاءت الاعتداءات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مستهدفةً مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ومناطق ومدنًا سعودية أخرى، من بينها مكة المكرمة والمدينة المنورة، في مشهد يعكس خطورة استهداف أمن المملكة وسلامة سكانها. وهكذا، تتبدل أدوات الاعتداء بين السيارات المفخخة والصواريخ، وتتغير أسماء الجماعات وراياتها، لكن يبقى استباحة الدماء وترويع الأبرياء القاسم المشترك بين هذه الجرائم.
وتتجاوز أوجه التشابه بين هذه الجماعات وسائل القتل إلى فرض السيطرة بقوة السلاح وإسكات المخالفين. فقد ارتكبت القاعدة وداعش جرائم اغتيال واختطاف وقتل، فيما وثقت منظمات حقوقية انتهاكات ارتكبها الحوثيون شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب. كما ارتبطت ممارسات هذه الجماعات باستهداف دور العبادة، واستغلال الأطفال والشباب في الصراعات المسلحة، وتحويل المجتمعات إلى ساحات للخوف والدمار.
ومن أخطر أوجه التشابه توظيف الشعارات الدينية والسياسية لتبرير العنف؛ فالقاعدة وداعش رفعتا شعارات نصرة الإسلام، بينما استهدفتا المسلمين في مساجدهم وأسواقهم، في حين يرفع الحوثيون شعار «الموت لأمريكا والموت لإسرائيل»، وقد طالت اعتداءاتهم أراضي المملكة العربية السعودية، واكتوى اليمنيون أنفسهم بنيران الحرب والانتهاكات. فأي نصرة للأمة تكون بسفك دماء أبنائها؟ وأي دفاع عن القضايا العادلة يكون بترويع الأبرياء؟
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الخوارج، فقال في الحديث المتفق عليه: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». وما أشبه هذا الوصف بممارسات الجماعات التي ترفع شعارات الدفاع عن الدين، بينما تمتد اعتداءاتها إلى المسلمين أنفسهم. فالعبرة ليست بضجيج الشعارات، وإنما بحقيقة الأفعال، والدين الذي حرّم سفك الدماء لا يمكن أن يكون غطاءً لاستباحتها.
ولم تسلم دماء غير المسلمين من هذه الجرائم؛ فقد ارتكبت القاعدة وداعش اعتداءات بحقهم، كما وثقت منظمات حقوقية انتهاكات طالت أقليات دينية في مناطق سيطرة الحوثيين. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا»، رواه البخاري (3166)، وهو وعيد شديد يؤكد حرمة الاعتداء على الأبرياء مهما اختلفت أديانهم.
وتكتسب الاعتداءات على المملكة العربية السعودية خطورة خاصة؛ فهي تحتضن الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وتستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين من أنحاء العالم. ولذلك فإن استهداف أراضيها ومنشآتها المدنية يمثل تهديدًا لأمن سكانها وزوارها، ويستوجب إدانة دولية واضحة وإجراءات مشروعة تمنع تكرار هذه الاعتداءات.
إن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع جرائم استهداف المدنيين بمعيار واحد، بعيدًا عن الانتقائية وازدواجية المواقف؛ فالجريمة لا تتغير حقيقتها بتغير مرتكبها، ولا تمنح الشعارات الدينية أو السياسية أي جماعة حق استباحة الدماء أو تهديد أمن الدول.
إن التجربة التي مرت بها المملكة مع القاعدة، وما تعرضت له من اعتداءات حوثية، وما عرفه العالم من جرائم داعش، تؤكد أن اختلاف الرايات لا يمحو التشابه في ممارسات العنف. فالدين لا ينتصر بقتل أهله، والعدل لا يقوم على أشلاء الأبرياء، والقضايا العادلة لا تخدمها الجرائم. وستظل حرمة الدماء وأمن المجتمعات فوق كل شعار، مهما حاول مرتكبو الاعتداءات تبرير أفعالهم.
نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ الحرمين الشريفين واليمن وأهله، ويحقن دماء المسلمين، ويكفي بلادهم شر الفتن والحروب.



