التاريخ أمانة لا تكتبها الأهواء ولا تمحوها الخصومات

بقلم ــ د. محمد فضل محمد
إن كتابة التاريخ مسؤولية عظيمة، تزداد خطورتها حين تتعلق بسير الرجال وتاريخ الجماعات والمؤسسات؛ لأن الكاتب لا يسرد أحداثًا فحسب، بل يقدم شهادة للأجيال، سيُسأل عنها أمام الله قبل أن يحاسبه عليها التاريخ. ومن هنا فإن الأمانة والإنصاف شرطان لا غنى عنهما لمن يتصدى لهذه المهمة، فلا يكتب التاريخ وفق هواه، ولا يحاكم الرجال بانتماءاتهم الحزبية أو خلافاتهم الفكرية، ولا يجعل الخصومة مبررًا لمحو الفضائل أو طمس الإنجازات.
وقد وضع القرآن الكريم ميزانًا قاطعًا للعدل، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فإذا كان العدل واجبًا مع من نبغض، فكيف يسوغ لكاتب التاريخ أن يتجاهل رجالًا أسهموا في بناء جماعة أو مؤسسة، لمجرد اختلافه معهم في الرأي أو الانتماء؟
إن تزوير التاريخ لا يكون باختلاق الوقائع وحده، بل قد يكون بإخفاء الحقائق، وإسقاط الأسماء المؤثرة، واجتزاء الأحداث من سياقاتها، وتضخيم إنجازات الموافقين وتهميش المخالفين. فالتاريخ لا يُكتب بعين الرضا ولا بعين السخط، وإنما بميزان الحق والإنصاف.
وقد قال الإمام محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم» رواه مسلم في مقدمته. وإذا كان التثبت واجبًا في نقل العلم، فإن الأمانة تقتضي التثبت في نقل أخبار الرجال، لا سيما من رحلوا عن الدنيا ولم يعودوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم.
ومن حق الكاتب أن يحلل الأحداث وينتقد المواقف، لكن ليس من حقه أن يغير الحقائق لتوافق قناعاته؛ فهناك فرق بين نقل التاريخ والتعليق عليه. المؤرخ الأمين ينقل الوقائع كما ثبتت لديه، ثم يقدم رأيه بوضوح، دون أن يخلط بين الحقيقة واجتهاده في تفسيرها.
وليعلم من يكتب التاريخ أن تصفيق الموافقين له لا يمنحه صك البراءة من الكذب، فقد يجد من يناصره بدافع الانتماء الحزبي أو الخصومة المشتركة، ولكن هل ينفعه ذلك يوم يقول الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19]؟ وهل تنفعه تلك الإشادات يوم ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]؟
وليس ظلم الأحياء بأهون من ظلم الأموات، بل إن تشويه سيرة من رحلوا أشد وقعًا حين يُحرمون فرصة الدفاع عن أنفسهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم» رواه البخاري.
ثم إن تزييف التاريخ لا يخلو من عواقب؛ فقد يواجه صاحبه مساءلة قضائية إذا تضمنت كتاباته افتراءات يعاقب عليها النظام، أو ردودًا علمية وإعلامية تكشف زيف روايته، وحينئذ يفقد مصداقيته، وربما أصبح موضع سخرية بعد أن أراد لنفسه مكانة المؤرخ الموثوق.
إن التاريخ ليس ملكًا لحزب أو جماعة أو فرد، ولا يجوز اختزاله في أسماء بعينها، وإقصاء رجال كانت لهم بصمات لا تمحوها الخصومات. فالإنصاف أن تذكر فضل من تختلف معه، وأن تعترف بخطأ من تتفق معه، وأن تجعل الحقيقة فوق الولاءات والانتماءات.
وأخيرًا، أيها الكاتب، تذكر أن الرجال يرحلون، والجماعات والأحزاب تتغير، والخصومات تنتهي، ولكن الشهادة تبقى، والحقوق لا تسقط بالتقادم أمام عدل الله. فاكتب التاريخ كما وقع، لا كما تشتهي، ولا تجعل قلمك أداة لتصفية الحسابات؛ فإنك قد تخدع بعض الناس حينًا، ولكنك لن تخدع التاريخ، ولن تفلت من سؤال الله عن شهادتك.



