«الموت لإسرائيل».. فلماذا تُوجَّه الصواريخ نحو أرض الحرمين؟

د. محمد فضل محمد
إن استهداف المملكة العربية السعودية لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد اعتداء على حدود دولة ذات سيادة، فالمملكة تحتضن الحرمين الشريفين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأي تهديد يصل إلى هذه البقاع المقدسة يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة ويمس مشاعر المسلمين في أنحاء العالم.
وقد جعل الله الأمن من خصائص بيته الحرام فقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، وتوعد من يريد فيه الظلم فقال سبحانه: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]. فإذا كان هذا الوعيد فيمن يريد فيه الظلم فكيف بمن يجعل أرض الحرمين في دائرة الصواريخ والاعتداءات؟
لقد تعرضت المملكة على مدى سنوات لهجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن استهداف مكة المكرمة أو تهديد أمن المدينة المنورة ينقل الأمر إلى مستوى آخر، لأنه يمس مقدسات تتعلق بها قلوب المسلمين جميعًا.
وهذه الممارسة تستدعي إلى الذاكرة صفحة سوداء من التاريخ الإسلامي، حين اعتدى القرامطة على مكة سنة 317هـ في موسم الحج وقتلوا من الحجاج واقتلعوا الحجر الأسود وحملوه بعيدًا عن موضعه. وها هي الممارسات الحوثية تعيد إلى الأذهان ذلك النهج، فهم إخوانهم في المنهج والسلوك تجاه انتهاك حرمة المقدسات، وإن اختلف الزمان وتبدلت الأدوات، فالجامع هو الجرأة على المقدسات وإقحامها في ميادين الصراع والعدوان.
وتتجلى المفارقة في أن الحوثيين يرفعون شعار «الموت لإسرائيل»، وينددون باعتداءاتها على الفلسطينيين والمسجد الأقصى، بينما شابهوا من ينددون بهم حين امتد تهديدهم إلى أرض الحرمين ومقدسات المسلمين. فإذا كانت إسرائيل مدانة بسبب اعتداءاتها على المسجد الأقصى، فكيف يستقيم أن يرفع الحوثيون شعار الدفاع عن المقدسات، ثم يهددون أرضًا تحتضن المسجد الحرام والمسجد النبوي؟
إن المقدسات الإسلامية حرمتها واحدة، ولا تتجزأ باختلاف المعتدي؛ فمن يدين الاعتداء على الأقصى، لا يجوز له أن يجعل أرض الحرمين في مرمى صواريخه. وهنا تتهاوى الشعارات أمام الممارسة، ويظهر التناقض بين ما يرفعه الحوثيون وما يفعلونه.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه المساجد العظيمة فقال: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى» متفق عليه. فحرمة المقدسات لا تخضع للأهواء السياسية ولا تتغير باختلاف هوية المعتدي.
إن المملكة حين تدافع عن أراضيها وسيادتها فإنها تدافع كذلك عن أرض تضم أقدس بقاع المسلمين وعن أمن ملايين الحجاج والمعتمرين والزائرين. ولهذا فإن أي تهديد للحرمين لا ينبغي أن يعامل بوصفه شأنًا سعوديًا محضًا، بل قضية تمس المسلمين جميعًا وتستوجب موقفًا واضحًا من الدول الإسلامية والمجتمع الدولي.
كما أن حماية المواقع الدينية ليست قضية إسلامية فحسب، فقد أكدت قرارات دولية ضرورة احترام المواقع الدينية وحمايتها من العنف والتهديد، ومن ثم فإن الصمت أمام أي اعتداء أو تهديد للمقدسات يتناقض مع المبادئ التي يعلنها المجتمع الدولي نفسه.
إن مكة والمدينة والقدس ليست ساحات لتصفية الحسابات، ولا ينبغي أن تتحول المقدسات إلى أدوات في صراعات السياسة والحروب. فالمقدسات لا تسأل عن هوية الصاروخ الذي يهددها ولا عن الشعار الذي يرفعه مطلقه، وإنما تبقى حرمتها ثابتة ويبقى الاعتداء عليها مدانًا.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الحرمين الشريفين من كل سوء، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، ويرد عنها كيد المعتدين، ويحفظ حجاج بيته الحرام ومعتمريه وزوار مسجد نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يحفظ المسجد الأقصى وسائر مقدسات المسلمين.


