cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

السعودية.. وطن العز وعنوان الإنسانية

د. محمد فضل محمد
أكاديمي واعلامي سوداني

تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني السادس والتسعين، وهي مناسبة لا تجسّد مجرد تاريخ على صفحات الزمن، وإنما تحكي قصة وطن استطاع الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – أن يوحّد أرجاءه تحت راية واحدة، بعد مراحل طويلة من التفرق والتنازع، ليُعلن في عام 1932م توحيد البلاد وتسميتها «المملكة العربية السعودية».
ولم يكن التوحيد نهاية الرحلة، بل كان بدايتها؛ فقد حمل أبناء الملك عبدالعزيز من بعده أمانة هذا الكيان، وحافظوا على وحدته، وتعاقبت مراحل البناء والتنمية حتى غدت المملكة نموذجًا تنمويًا وحضاريًا له حضوره العربي والإسلامي والدولي.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله – شهدت المملكة تحولات تنموية ومؤسسية واسعة، وأسهمت رؤية المملكة 2030 في دفع مسارات التطوير والتنويع الاقتصادي ورفع كفاءة المؤسسات وتحديث كثير من القطاعات والخدمات.
غير أن عظمة الأوطان لا تُقاس بما تبنيه داخل حدودها فحسب، وإنما كذلك بما تحمله من قيم، وما تقدمه للإنسان عندما تضيق به السبل. وهنا تبدو المملكة حاضرة في كثير من ميادين العمل الإنساني، ممتدة بخيرها إلى الشعوب المنكوبة والمحتاجة.
وكوني مقيمًا عربيًا سودانيًا عرف للمملكة فضلها ومواقفها، أقولها بامتنان: إن من حق المملكة علينا في يومها الوطني أن نذكر ما قدمته للسودان وشعبه، ولا سيما خلال الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م وخلّفت مأساة إنسانية واسعة.
منذ بدايات الأزمة، تحركت المملكة لإجلاء مواطنيها ورعايا العديد من الدول الشقيقة والصديقة وموظفي المنظمات الدولية من السودان، ونفذت عمليات إجلاء بحرية لآلاف العالقين، فكانت موانئ المملكة محطة أمان لكثير ممن خرجوا من أتون الحرب.
ولم يتوقف الموقف السعودي عند الإجلاء، بل امتد إلى إغاثة الإنسان السوداني في الداخل. فقد سيّرت المملكة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية جسرًا جويًا وبحريًا، ونفذت مشروعات في الغذاء والصحة والإيواء وغيرها. وحتى مطلع عام 2026، شمل الجسر الإغاثي 13 طائرة و60 سفينة، وتجاوزت قيمة جهود المركز المرتبطة بالأزمة السودانية 125 مليون دولار، كما استمر وصول المساعدات الغذائية والطبية خلال عام 2026.
وهذا العطاء لم يكن وليد الحرب الراهنة، فالسودان عرف للمملكة مواقف إنسانية سابقة في أوقات الكوارث والفيضانات وغيرها، وهو ما يعكس عمق الروابط بين الشعبين السعودي والسوداني.
كما لم تحصر المملكة موقفها في الإغاثة وحدها، بل تحركت دبلوماسيًا من أجل تخفيف معاناة السودانيين ووقف نزيف الحرب. واستضافت مدينة جدة المحادثات بين القوات المسلحة السودانية والمتمردين وكان من أهدافها حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والعمل نحو وقف الأعمال العدائية. وقد أسفرت الجهود عن «إعلان جدة» لحماية المدنيين، واستمرت جولات التفاوض والسعي إلى وقف إطلاق النار.
وحملت المملكة قضية السودان كذلك إلى المحافل الدولية، وشاركت في الجهود الرامية إلى حشد الاستجابة الإنسانية الدولية، مؤكدة موقفها الداعي إلى تخفيف معاناة الشعب السوداني ودعم مساعي إنهاء الأزمة بالحوار.
إنها مواقف لا ينساها السودانيون، لأن المواقف الحقيقية للأشقاء تظهر في أوقات المحن. وعندما اشتدت الحرب، لم يكن السودان بعيدًا عن اهتمام المملكة؛ حضرت بالإغاثة، وحضرت بالدبلوماسية، وحضرت في المحافل الدولية، وفتحت جدة أبوابها لمحاولات السلام.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا أكتب بصفتي مقيمًا على أرض المملكة فحسب، وإنما بصفتي سودانيًا يحمل التقدير لوطن وقف مع أبناء بلده في واحدة من أقسى مراحل تاريخهم الحديث.
لقد استطاعت المملكة أن تجمع بين بناء الداخل ومد يد الخير إلى الخارج، وأن تجعل من قوتها وتنميتها رافدًا للعمل الإنساني والإغاثي.
وفي هذه المناسبة الغالية أقول:
شكرًا للمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا.
شكرًا لوطنٍ كان للسودان في محنته عونًا وسندًا.
وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وحفظ المملكة وأهلها، وأدام عليها أمنها ووحدتها وازدهارها، وجزى شعبها الكريم خير الجزاء.
وكل عام والمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا بخير وعز وازدهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى