الوطنية ليست كلامًا
بقلم/مشاري محمد بن دليلة
كاتب في الشؤون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية
الوطنية ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، ولا مشاعر مؤقتة تظهر في المناسبات، الوطنية أعمق من ذلك كله، فهي قولٌ يعبّر عن المحبة، وعملٌ يترجم الانتماء، وأخلاقٌ تعكس صورة الإنسان عن وطنه، ومبادرةٌ تجعل الفرد شريكًا في البناء والتنمية،
فالوطنية الحقيقية تبدأ من داخل الإنسان، من إحساسه بأن وطنه ليس مجرد أرض يعيش عليها، وإنما مسؤولية يحملها، ومكان ينتمي إليه، ومستقبل يساهم في صناعته، ولذلك فإن حب الوطن لا يقاس بكثرة الحديث عنه، وإنما بما يقدمه الإنسان لوطنه من عمل نافع، وسلوك مسؤول، وإخلاص في أداء واجبه،
والقول الوطني الجميل له قيمته، لكنه يصبح أكثر صدقًا عندما يتحول إلى ممارسة، فالموظف الذي يؤدي عمله بأمانة، والطالب الذي يجتهد في دراسته، والطبيب الذي يخلص في علاج مرضاه، والمعلم الذي يبني أجيالًا، ورجل الأعمال الذي يستثمر ويخلق فرص العمل، والمتطوع الذي يقدم وقته لخدمة المجتمع، كل هؤلاء يمارسون الوطنية بطريقتهم،
والأخلاق جزء أصيل من الوطنية، فاحترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الآخرين، والالتزام بالمسؤولية، والمحافظة على البيئة، والصدق في التعامل، وإتقان العمل، كلها صور وطنية قد لا تحمل شعارًا، لكنها تحمل قيمة أكبر من الشعار.
أما المبادرة فهي الوجه المتقدم للوطنية، لأن المواطن المبادر لا ينتظر دائمًا من يطلب منه أن يعمل، بل يبحث عن المشكلة، ويفكر في الحل، ويقترح الفكرة، ويشارك في تنفيذها، فالأوطان لا تتقدم فقط بما تقدمه مؤسساتها، وإنما أيضًا بما يقدمه أبناؤها من أفكار ومشروعات ومبادرات تسهم في تحسين حياة الناس،والانتماء الحقيقي لا يعني أن نرى وطننا كاملًا بلا تحديات، بل يعني أن نشعر بالمسؤولية تجاهه، وأن نساهم في معالجة التحديات، وأن نحافظ على مكتسباته، وأن نكون جزءًا من الحل، فالنقد المسؤول يمكن أن يكون صورة من صور الانتماء عندما يكون هدفه الإصلاح والبناء، وليس التشكيك أو الهدم.
وفي المملكة العربية السعودية، نعيش مرحلة تنموية طموحة تتطلب من الجميع أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل، فمستهدفات رؤية السعودية 2030 لا تتحقق بالخطط وحدها، وإنما بسواعد أبناء الوطن، وكفاءاتهم، ومبادراتهم، وإخلاصهم، وتحويل الطموحات إلى إنجازات ملموسة،لذلك فإن الوطنية التي نحتاجها اليوم هي وطنية العمل، وطنية الإتقان، وطنية المبادرة، وطنية المحافظة على المكتسبات، وطنية المسؤولية الاجتماعية، وطنية احترام النظام، ووطنية أن يسأل كل واحد منا نفسه: ماذا قدمت لوطني؟
فالوطنية ليست أن نقول فقط «نحب وطننا»، بل أن يكون هذا الحب ظاهرًا في أعمالنا، وأخلاقنا، وقراراتنا، وتعاملاتنا، ومبادراتنا، وأن نترك أثرًا نافعًا أينما كنا،الوطنية قولٌ صادق، وعملٌ مخلص، وانتماءٌ راسخ، وأخلاقٌ رفيعة، ومبادرةٌ تصنع أثرًا، وعندما تجتمع هذه المعاني يصبح حب الوطن سلوكًا يوميًا لا مناسبة عابرة، وتصبح المواطنة مسؤولية نعيشها، لا مجرد كلمات نقولها.
23/9/2026



