cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

الموهبة لا تكفي… حين يهزمك قلبك قبل أن يهزمك المنافسون

الذكاء العاطفي والصلابة النفسية: نظام النجاة الذي يحمي الموهبة من صاحبها

د. محمد الباسم

مستشار الإدارة والتطوير المؤسسي والقيادي

في سباقات الحياة لا يخسر دائمًا الأقل موهبة، ولا يفوز دائمًا الأكثر ذكاءً. أحيانًا يدخل شخص إلى الحلبة وهو يحمل موهبة استثنائية، معرفة قوية، سرعة تعلم، وحضورًا لافتًا، ثم يخرج مبكرًا لأن شيئًا واحدًا لم يتعلم كيف يديره: نفسه. قد يملك عقلًا يسبق الآخرين، لكن غضبه يسبقه. قد يمتلك فرصة ينتظرها المئات، ثم يبددها بسبب كلمة في لحظة انفعال. وقد يكون فنانًا أو رياضيًا أو مديرًا أو رائد أعمال شديد الموهبة، لكن خوفه من النقد، أو عجزه عن تحمل الضغط، أو اندفاعه عند الخلاف، يحول الموهبة من جناحين للطيران إلى محرك قوي في سيارة بلا فرامل.

لهذا فالسؤال ليس: كم أنت موهوب؟ السؤال الأصعب: هل تستطيع حماية موهبتك عندما تتعرض للضغط؟ لأن الموهبة تمنحك فرصة الدخول، لكنها لا تضمن بقاءك. والذكاء العاطفي والصلابة النفسية لا يصنعان الموهبة من الصفر، لكنهما يساعدانك على ألا تهدم بيدك ما بنته موهبتك لسنوات.

تخيل لاعبًا يمتلك مهارات فنية مذهلة، لكنه ينهار بعد أول خطأ. كلما انتقده المدرب اعتبر النقد إهانة. وكلما استفزه منافس خرج من تركيزه. وكلما جلس احتياطيًا بدأ صراعًا مع الفريق. موهبته حقيقية، لكن النظام الذي يحمل هذه الموهبة هش. وتخيل موظفًا عبقريًا في التحليل، لكنه لا يستطيع الاستماع، ولا يعرف كيف يختلف باحترام، ويقرأ كل ملاحظة باعتبارها هجومًا شخصيًا. بعد فترة، لن تصبح المشكلة في جودة أفكاره، بل في التكلفة العاطفية التي يدفعها كل من يعمل معه.

هنا نحتاج إلى التفريق بين ثلاثة أشياء. الموهبة هي القدرة التي تجعلك قادرًا على أداء شيء بصورة مميزة أو تعلمه بسرعة. الذكاء العاطفي يتعلق – وفق النماذج العلمية المختلفة – بالقدرة على إدراك المشاعر وفهمها وتنظيمها واستخدام المعلومات الانفعالية بصورة أكثر فاعلية. أما الصلابة أو المرونة النفسية فتتعلق بقدرتك على التكيف والاستمرار والتعافي عندما تواجه ضغطًا أو تعثرًا أو تغيرًا. الثلاثة ليسوا بدائل لبعضهم. لكن الموهبة وحدها، عندما تعمل من دون إدارة للمشاعر ومن دون قدرة على احتمال الصدمات، تصبح أصلًا مرتفع القيمة موضوعًا داخل خزنة بلا باب.

الأبحاث لا تقول إن الذكاء العاطفي هو العامل الوحيد للنجاح، ولا ينبغي تحويله إلى شعار سحري. لكنها تقدم سببًا قويًا لأخذه بجدية. تحليل تلوي منشور في Journal of Organizational Behavior جمع دراسات متعددة حول الذكاء العاطفي والأداء الوظيفي، ووجد ارتباطات مصححة بين مقاييس الذكاء العاطفي المختلفة والأداء تراوحت تقريبًا بين 0.24 و0.30، مع وجود قيمة إضافية لبعض نماذج الذكاء العاطفي إلى جانب القدرة المعرفية وسمات الشخصية. المعنى ليس أن الموهبة أو الذكاء العقلي أصبحا بلا قيمة؛ بل إن الأداء الإنساني أكثر تعقيدًا من معادلة تقول: «الأكثر موهبة يفوز».

وهذا ما نراه عمليًا في بيئات العمل. المنظمة لا تشتري موهبتك وحدها؛ هي تتعامل مع النسخة الكاملة منك. تتعامل مع طريقة ردك عندما يُرفض اقتراحك، ومع قدرتك على العمل مع شخص لا تحبه، ومع أسلوبك تحت الضغط، ومع طريقة استقبالك للتغذية الراجعة، ومع قدرتك على تأجيل رد فعل غاضب حتى تفهم الصورة. قد تكون أفضل شخص فنيًا في الغرفة، لكن إذا كانت كل أزمة صغيرة تحولك إلى أزمة أكبر، فستبدأ المؤسسة في حماية نفسها منك بدلًا من الاستثمار فيك.

الموهوب الذي يفتقد الوعي بذاته قد لا يرى المشكلة أصلًا. عندما يفشل مشروع، يكون الجميع مخطئين إلا هو. عندما تتوتر العلاقة، يكون الطرف الآخر «حساسًا». عندما يخسر فرصة، يعتقد أن العالم لا يقدر العباقرة. وهنا يصبح غياب الوعي أخطر من الخطأ نفسه؛ لأن الإنسان يستطيع إصلاح خطأ يراه، لكنه نادرًا ما يصلح خطأ يصر على أنه غير موجود.

ثم تأتي إدارة الانفعال. ليست إدارة المشاعر أن تصبح باردًا أو بلا إحساس. وليست أن تبتسم بينما أنت غاضب، أو أن تقبل كل شيء باسم الهدوء. المقصود أن تمتلك مسافة بين الشعور والتصرف. أن تشعر بالغضب من دون أن تجعل الغضب يكتب البريد الإلكتروني. أن تشعر بالخوف من الفشل من دون أن تجعله يرفض الفرصة نيابة عنك. أن تشعر بالغيرة من نجاح شخص آخر من دون أن تحولها إلى هجوم عليه. المشاعر بيانات مهمة، لكنها ليست دائمًا أوامر تنفيذ.

الموهبة أيضًا تحتاج إلى ذكاء اجتماعي وعاطفي لأنها نادرًا ما تعمل وحدها. الأفكار تحتاج إلى من يسمعها. المشاريع تحتاج إلى فرق. الترقيات تحتاج إلى ثقة. ريادة الأعمال تحتاج إلى عملاء وشركاء ومستثمرين وموظفين. والقيادة في جوهرها ليست استعراضًا فرديًا للعبقرية، بل قدرة على تحريك بشر مختلفين نحو نتيجة مشتركة. لذلك قد يكتشف الموهوب متأخرًا أن جودة فكرته لم تكن كافية؛ كان عليه أيضًا أن يعرف كيف يقدمها، ومتى يتحدث، ومتى يصمت، وكيف يفهم اعتراض الآخرين بدلًا من أن يعتبر كل اعتراض معركة.

أما الصلابة النفسية، فهي الحارس الثاني للموهبة. لأن الطريق المهني لا يسير في خط مستقيم. هناك رفض، وفشل، ومنافسة، وتغيير، وخسارة فرص، ومشروعات لا تنجح كما خُطط لها. المرونة لا تعني أنك لا تتأثر؛ تعني أنك لا تجعل التعثر تعريفًا دائمًا لنفسك. الأدلة البحثية حول برامج بناء المرونة في العمل تشير إلى أن هذه القدرات يمكن دعمها وتطويرها، وإن كانت التأثيرات في المتوسط ليست ضخمة ولا دائمة تلقائيًا. وهذا مهم: الصلابة النفسية ليست شعار «كن قويًا»؛ إنها مجموعة ممارسات وقدرات تحتاج إلى تدريب وبيئة ومساندة واستمرار.

يمكن تلخيص الخطر في معادلة بسيطة: موهبة عالية + انفعال غير مُدار + هشاشة أمام الضغط = إمكانات كبيرة ونتائج أقل من المتوقع. وعلى الجانب الآخر، شخص أقل بريقًا في البداية، لكنه يتعلم من الملاحظات، يضبط ردود أفعاله، يبني علاقات صحية، يتحمل التأخير، ويعود بعد التعثر، قد يقطع مسافة أطول. ليس لأن الموهبة غير مهمة، بل لأنه يعرف كيف يحافظ على محركه يعمل عندما يصبح الطريق صعبًا.

في كتاب «مهارات بالأدرينالين» ركزتُ على فكرة أن المعرفة التي لا تتحول إلى سلوك لا تصنع إنجازًا، وأن الإنسان يظل المحرك الحقيقي خلف الأدوات والأنظمة والتطوير. ويمكن تطبيق الفكرة نفسها هنا: الموهبة مورد، وليست نتيجة. ما يحولها إلى نتيجة هو السلوك اليومي، والانضباط، وطريقة التعامل مع الذات والآخرين، والقدرة على الاستمرار عندما لا تمنحك الحياة التصفيق الذي توقعته.

وفي كتاب «الذكاء العاطفي ضد الذكاء الاصطناعي» تصبح الفكرة أكثر إلحاحًا. كلما ازدادت الآلات قدرة على تنفيذ أجزاء من العمل المعرفي، ارتفعت قيمة ما يميز الإنسان في المواقف المركبة: قراءة السياق، إدارة العلاقات، فهم الانفعالات، التعامل مع الغموض، وبناء الثقة. امتلاك الموهبة الفنية سيظل مهمًا، لكن الموهوب الذي لا يستطيع إدارة نفسه قد يجد أن التقنية ضاعفت قدرته على الإنتاج بينما بقيت نقطة انهياره القديمة كما هي.

كيف تعرف أن موهبتك تحتاج إلى «نظام حماية عاطفي»؟ راقب لحظات الضغط، لا لحظات الراحة. ماذا تفعل عندما يقال لك «لا»؟ كيف تتصرف عندما يُمدح شخص آخر؟ هل تستطيع الاعتذار من دون أن تشعر أنك خسرت مكانتك؟ هل تفصل بين نقد الفكرة ونقد الذات؟ هل تتخذ قرارات كبيرة وأنت غاضب؟ هل تستطيع البقاء منضبطًا عندما يتأخر العائد؟ وهل تعود بعد الفشل وأنت أكثر فهمًا، أم تعود فقط أكثر غضبًا؟ الإجابات عن هذه الأسئلة قد تخبرك عن مستقبل موهبتك أكثر مما تخبرك به شهادة معلقة على الحائط.

وهنا أقترح معادلة عملية: اكتشف موهبتك، ثم ابنِ حولها ثلاثة أسوار. السور الأول هو الوعي: اعرف محفزاتك، ونقاط حساسيتك، وأنماطك المتكررة. السور الثاني هو التنظيم: لا تمنح الانفعال سلطة التوقيع على قراراتك. والسور الثالث هو التعافي: عندما تتعثر، حلل ما حدث، تعلم، أعد بناء خطتك، ثم تحرك. هذه الأسوار لا تمنع الألم أو الخطأ، لكنها تقلل احتمال أن يتحول موقف عابر إلى قرار يهدم سنوات.

لا تجعل نجاحك السابق يخدعك أيضًا. الموهبة قد تمنح صاحبها في بداياته مكافآت سريعة، فيتعلم الدرس الخطأ: «أنا لا أحتاج إلى التطور لأنني أفضل من الآخرين». ثم يرتفع مستوى المنافسة، وتصبح المهارات الفنية متقاربة، ويبدأ الفرق الحقيقي في القدرة على التعاون، والتكيف، والتعلم، وإدارة الضغط. عندها يكتشف أن ما كان يراه «أمورًا ناعمة» كان في الحقيقة جزءًا من البنية الصلبة للنجاح.

لا توجد بطولة في أن تكون موهوبًا ومدمرًا لنفسك. ولا توجد جائزة لمن يملك أفضل عقل لكنه يخسر كل علاقة مهمة حوله. النجاح المستدام يحتاج إلى منظومة: موهبة تمنحك القدرة، ذكاء عاطفي يساعدك على توجيهها، وصلابة نفسية تساعدك على حملها عبر المطبات. وإذا اختل أحد الأجزاء، فقد تصل بسرعة، لكنك لن تضمن البقاء.

لذلك لا تسأل فقط: ما موهبتي؟ اسأل أيضًا: هل شخصيتي الحالية قادرة على حمل هذه الموهبة إلى المسافة التي أحلم بها؟ لأن العالم مليء بأشخاص امتلكوا إمكانات كبيرة، لكن النجاة المهنية والحياتية لا تُمنح للإمكانات وحدها. الموهبة قد تفتح الباب، أما الذكاء العاطفي فيساعدك على ألا تصطدم بمن في الغرفة، والصلابة النفسية تساعدك على ألا تغادرها عند أول خسارة. الموهبة تشعل المحرك؛ لكن من دون فرامل، ومقود، وهيكل يتحمل الطريق… قد تكون قوة المحرك نفسها هي ما يخرجك من السباق.

المراجع

  • الباسم، محمد. مهارات بالأدرينالين. النسخة النهائية، 2023.
  • الباسم، محمد. الذكاء العاطفي ضد الذكاء الاصطناعي.
  • O’Boyle, E. H. Jr., Humphrey, R. H., Pollack, J. M., Hawver, T. H., & Story, P. A. (2011). The relation between emotional intelligence and job performance: A meta-analysis. Journal of Organizational Behavior, 32(5), 788–818. DOI: 10.1002/job.714.
  • Joseph, D. L., & Newman, D. A. (2010). Emotional intelligence: An integrative meta-analysis and cascading model. Journal of Applied Psychology, 95(1), 54–78. DOI: 10.1037/a0017286.
  • MacCann, C., Jiang, Y., Brown, L. E. R., Double, K. S., Bucich, M., & Minbashian, A. (2020). Emotional Intelligence Predicts Academic Performance: A Meta-Analysis. Psychological Bulletin, 146(2), 150–186. DOI: 10.1037/bul0000219.

• Vanhove, A. J., Herian, M. N., Perez, A. L. U., Harms, P. D., & Lester, P. B. (2016). Can resilience be developed at work? A meta-analytic review of resilience-building programme effectiveness. Journal of Occupational and Organizational Psychology, 89(2), 278–

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى