cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

ذهبت والدتي صاحبة الفطرة السليمة

بقلم/ مشاري محمد بن دليلة
كاتب في الشؤون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية

عندما تفقد الأم في الحياة الدنيا، فأنت تفقد شيئًا عظيمًا وبابًا من أبواب الجنة، فارقتنا أمي في الحياة الدنيا، ذهبت بابتسامتها وسؤالها وحنانها واجتماعها واتصالها، وكل شيء عندها، والدتي، وأقولها وأنا متأكد، لم تكن امرأة عادية، كانت على الفطرة، وقد طرح الله فيها البركة، الكل يحبها ويودها ويسامرها ويتواصل معها، هاتفها لا يقف من الاتصالات والسؤال، ولسانها لاهج بذكر الله تعالى والدعاء، منذ أن خرجت إلى الدنيا وأنا لا أعرفها إلا خدومة للكل، تحنو على الصغير والكبير وذي الحاجة، كنا في بيت صغير بحي عتيقة، طابقين، وكان البيت يسعنا ويسع غيرنا من أقارب والدي ووالدتي، ولا يخلو من الزوار كل يوم، وفي كل جمعة غداء تعده الوالدة، فهي تجيد طبخ كل الأكلات الشعبية النجدية، ومن خدمتها لوالدي كانت تنام عندنا أخواته بشهور، من اثنتين إلى خمس أخوات، كانت أمي تعرف ماذا تريد كل واحدة منهن في الفطور والغداء والعشاء، ثم تذهب بهن للسوق والمستشفى لمواعيدهن الصحية وزياراتهن الشخصية، لديهن أبناء، ومع ذلك كان والدي ووالدتي في الخدمة لهن، ورحلن وهن يلهجن بالدعاء لأبي وأمي، كنت أقول: ما السر الذي عند والدتي لكي يجعل مثل هؤلاء يبتن عندنا؟ لك أن تتخيل، كانت تعول زوجها وأبناءها وأخوات زوجها، ويأتي أيضًا أخوها وأبناؤه عندنا، والبيت مساحته 190م فقط، لك الله يا أم سعد، ما أعظم خلقك وتربيتك، فهي مضرب مثل، كان من المواقف أنها تذهب للمستشفى بعماتي فتدفع عربيتين في آن واحد، من الذي أمرها؟ ليست مجبورة، ولديهن أبناء، ومع ذلك كانت تسعد بتلك الخدمة، تحركها الفطرة السليمة والتربية الصالحة من عائلتها المعيلي، فقد ماتت أمها في وقت مبكر، ومع ذلك صبرت وأحسنت، وعندما انتقلنا إلى بيت جديد، كانت حياة جديدة، زوّجت أبناءها وبناتها، واستمر لقاؤنا كل جمعة، تعد لنا الطعام، ويحضر أقارب والدي وأقاربها ، تعرفهم جميعًا، تداعب أحفادها وتحبهم، وتبتسم للغريب والقريب، كانت كريمة اليد، تعطي كل شيء معها، لم تكن متعلمة، ولكن كانت ذكية وتعرف ما يحدث حولها، ماتت لها ابنة في مقتبل العمر قبل أربعين سنة بسبب سرطان الدم، وكان آنذاك لا يعرف الناس ما هو السرطان، حتى إن الدكتور لما أخبرهم بأنها مريضة بسرطان الدم، قالوا: الحمد لله إنه ليس مرض الروماتيزم، لأنه كان يُفقد الناس بسببه، ومات أخي قبل سنتين وقد بلغ الثلاثين بسبب السرطان أيضًا، وبكت حتى احمرت عيناها، ولكنها صبرت وطلبت العوض من الله، ثم ذهبت مبطونة بمرض السرطان، وبإذن الله أنها من الشهداء، لم تطل الجلوس في المستشفى، وأخذ الله أمانته وهي صابرة محتسبة، فيها من الصبر لو وُزّع على عشرات البشر لوسعهم، لم تستسلم حتى في مرضها، إذا أفاقت سألت عنا وعن أبنائنا، ذهبت والكل يحبها ويشهد لها بحسن المعشر وطيبة القلب وحلاوة اللسان، ذهبت وقد فرحت بزواج آخر أبنائها، كانت تحبهم، فختمت حياتها بزواجهم، ولم تعلم أن الأجل قد دنا، مواقفها كثيرة، وحياتها مليئة بالتجارب، وسيرتها عطرة، وأخلاقها جمة، سوف نفتقد جسدها، لكن ستبقى حاضرة في قلوبنا، عزاؤنا ليس في فراقها وذهابها لربها، فيا ليتنا كنا في ربع ما تعمل من عمل صالح، إنما عزاؤنا افتقاد تلك الشخصية الجميلة في الدنيا، اللطيفة بالناس، فاسمها لطيفة، ولها من اسمها حظ ونصيب، كانت تتواصل مع زوجة أبي السابقة، وقد فارقها أبي من سنوات طوال، ومع ذلك تتصل عليها باستمرار، وتأمرنا كل أسبوع بزيارتها بعد صلاة الجمعة، ونسميها أمنا، وتحضر كل مناسباتنا، فهي أمنا الثانية، حتى إن أرادت السفر اتصلت بها وأخبرتها، ويذهبن سويًا في بعض المناسبات، حتى أخذ الله أمانتها، وبكت عليها بكاء الأخت لأختها، وكان اسم كلتيهما لطيفة، وهما لطيفتان بأخلاقهما وتوقيرهما، حتى بعد وفاة صاحبتها كانت تقول: أخوكم من أبيكم أمانة في عنقكم، كلما اجتمعنا تقول: اتصلوا بها، لماذا لم يحضر؟ أين هو؟ حتى زملاءنا المقربين تحبهم وتعتبرهم مثل أبنائها، وتتصل بأمهات أزواجنا في كل عيد ومحفل، تبادر وتلهج لهن بالدعاء، أعمامي وعماتي يحبونها ويودونها، فكانت حسنة المعشر معهم وطيبة القلب، وكأنها منهم، من يزورنا في عيدنا يظن أنها من عائلة بن دليلة لتداخلها القوي معهم، وأقاربها من المعيلي تتواصل معهم ويحبونها، ودعناها في منزلها ومثواها الأخير، وهذه حال الدنيا، راحت بجسدها وبقي ذكرها، إن الكلام عن مواقفها وأفعالها يطول، فلها منا الدعاء، والله رحيم بعباده، ومثلها يُرجى له الخير، ذهبت والدتي، صاحبة الفطرة السليمة، وبقي أثرها في قلوبنا،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى