المقاعدُ الفارغةُ التي أنقذتْ حياتكَ…!!

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
«حين يُبعد الله عنك ما تعلّقتَ به، لا يُفقرك من النعمة، بل يُعيد ترتيب قلبك ليعرف الطريق إلى النعمة الحقيقية.»
ثمة مقاعد فارغة لا تُثير الحزن بقدر ما تُثير الدهشة.
مقاعد كان يجلس عليها أشخاص ظننا أنهم جزءٌ من تكوين الحياة نفسها، وأن الأيام لا تستقيم إلا بوجودهم، وأن المشهد لن يكتمل إذا غابوا عنه. ثم تمضي السنوات، فإذا بنا نكتشف أن الحياة لم تتوقف، وأن الشمس أشرقت كعادتها، وأن القلوب التي ظننا أنها لن تبرأ من ألم الفقد استطاعت أن تبتسم من جديد.
ليست كل النهايات مآتم، وليست كل الأبواب المغلقة خسائر، وليست كل الوجوه التي تبتعد عن حياتنا تستحق أن نركض خلفها حتى آخر العمر.
بعض الراحلين لم يُغادروا لأنهم سيئون، وبعض الباقين ليسوا بالضرورة صالحين، فالحياة أعقد من تلك الأحكام السريعة التي يصدرها البشر في لحظة انفعال. الحقيقة أن كثيرًا من العلاقات تشبه الفصول الموسمية؛ تؤدي دورها ثم ترحل، وتترك خلفها أثرًا أو درسًا أو ذكرى، ثم تواصل الحياة سيرها كأنها تقول لنا: لم يكن أحدٌ هنا أكبر من أن تمضي الدنيا بعده.
ومن طرائف النفس البشرية أنها تبكي أحيانًا على ما كانت تتذمر منه بالأمس. يشتكي الإنسان سنوات من علاقة تستنزفه، فإذا انتهت أقام لها سرادق حزن طويلًا. ويتذمر من وظيفة أرهقته، فإذا فقدها شعر كأنه فقد العالم كله. وكأن الإنسان لا يحب الأشياء دائمًا، بل يحب اعتياده عليها.
ولهذا قال الفيلسوف سينيكا إننا نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع. ولو تأمل المرء كثيرًا من أحزانه لاكتشف أن نصف ألمه كان خوفًا مما بعد الفقد، لا الفقد نفسه.
إن المؤمن حين يقرأ حركة الحياة يدرك أن الله سبحانه هو الحكيم العليم، وأن تدبيره أكمل من ظنوننا، وأن رحمته أوسع من حساباتنا الضيقة. فهو جل جلاله لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته، ولا يقدّر لعبده إلا ما أحاطه بعلمه ورحمته وعدله.
ومن أبلغ الآيات التي تلامس هذا المعنى قول الله تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
وكأن الآية تقول للقلوب المرهقة: لا تجعلوا المخرج رهينةً لما فقدتم، فربما كان المخرج فيما لم يخطر لكم على بال.
وفي تاريخ المسلمين قصة تفيض بهذا المعنى. فقد خرج الإمام الشافعي رحمه الله من موطنه مرات عديدة، وفارق أماكن وأشخاصًا وأحوالًا ألفها، حتى ظن بعض الناس أن كثرة التنقل لون من ألوان الحرمان. لكن الأيام أثبتت أن تلك التحولات صنعت شخصيةً ملأت الدنيا علمًا وفقهًا وأثرًا. فما بدا فراقًا في أوله كان فتحًا في آخره، وما بدا خسارةً صغيرة كان بداية عطاء كبير.
وهذه ليست حكاية التاريخ وحده، بل حكاية الناس كل يوم.
شاب خسر وظيفةً كان يظن أنها مستقبله كله. عاد إلى منزله يومها منكسرًا، ينظر إلى المستقبل كما ينظر المسافر إلى طريقٍ غارق في الضباب. لكنه لم يعلم أن الله يدخر له بابًا آخر. وبعد أعوام قليلة أصبح صاحب مشروع ناجح يفتح أبواب الرزق لغيره. وحين تذكر يوم الفصل من العمل قال مبتسمًا: ذلك اليوم الذي بكيت فيه كثيرًا كان أول أيام الفرج، لكنني لم أكن أعرف.
هكذا تمضي الحياة.
نبكي على باب أُغلق، بينما الخير ينتظرنا خلف باب آخر.
ونحزن على مقعد أصبح فارغًا، بينما الله يهيئ لنا مجلسًا أرحب وأكرم.
ونتعلق بأشخاص ظننا أنهم وطن، ثم نكتشف أن الوطن الحقيقي ليس شخصًا ولا مكانًا، بل سكينة يمنحها الله لعباده حين يحسنون الظن به.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
إن أعظم ما يرهق الإنسان ليس الفراق، بل مقاومة الفراق بعد وقوعه. أن يظل واقفًا أمام محطة غادرها القطار منذ سنوات. أن يحمل مفاتيح أبواب لم تعد موجودة أصلًا. أن يعيش عمره يفتش عن نسخة قديمة من حياته بينما الحياة الجديدة تنتظره منذ زمن.
ولهذا فإن بعض المقاعد الفارغة ليست دليل خسارة، بل شهادة نجاة.
وبعض الأبواب المغلقة ليست إعلان نهاية، بل بداية طريق جديد.
وبعض الأشخاص الذين ظننت أن رحيلهم سيكسر ظهرك، كانوا في الحقيقة يحملون على ظهرك أثقالًا لم تكن تراها.
وحين تنظر إلى الماضي بعد سنوات طويلة، ستدرك أن الله لم يأخذ منك شيئًا عبثًا، ولم يُبعد عنك شيئًا سدى، ولم يتركك لحظةً واحدة دون لطفه الخفي ورحمته الواسعة وحكمته البالغة.
عندها فقط ستبتسم لذلك المقعد الفارغ…
وتعرف أنه لم يكن علامة فقد…
بل كان أول علامات النجاة.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



