آخرُ النبلاءِ يتحدثُ بهدوء…!!

✒️ _ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
وفي الطرق المزدحمة بالصخب، يحفظ الله بعض عباده بلطفٍ خفي، ويجعل للكلمة الرقيقة أثراً لا تصنعه الجلبة، ويُري القلوب بحكمته أن الرفق بابٌ من أبواب الخير لا يفتحه إلا من عرف عظمة الله ورحمته.
في زمنٍ أصبح فيه ارتفاع الصوت عند بعض الناس دليلاً على القوة، وكثرة الجدل علامةً على الحضور، والاندفاع غير المحسوب برهاناً على الشجاعة، يقف النبلاء في زاوية المشهد بهدوءٍ مهيب، كأنهم بقايا زمنٍ جميل نجا من زحام العصر.
إنهم آخر النبلاء الذين يتحدثون بهدوء.
لا لأنهم عاجزون عن الصراخ، بل لأنهم أدركوا مبكراً أن الضجيج لا يصنع الحقيقة، وأن الحكمة لا تحتاج إلى مكبرات صوت، وأن الكلمات العظيمة لا ترتدي دائماً ثياب العاصفة.
ومن غرائب الحياة أن الإنسان كلما نضج عقله خفَّ صوته، وكلما اتسعت رؤيته ضاقت رغبته في الانتصار لكل جدال. أما قليلو الخبرة فيخوضون المعارك لإثبات أنفسهم، بينما يخوض العقلاء معاركهم الحقيقية مع أهوائهم وغضبهم وكبريائهم.
ولذلك قيل: “إن الرقة والتلطف في القول والفعل من رجاحة العقل”.
وهي عبارة تختصر فصولاً طويلة من التجارب الإنسانية. فالعقل الراجح لا يُعرف بكثرة المعلومات فقط، وإنما يُعرف أيضاً بطريقة التعامل مع الناس. فقد تجد إنساناً يحمل شهاداتٍ عالية لكنه يعجز عن إدارة حوارٍ صغير، وتجد آخر قليل التعليم لكنه يمتلك من حسن الخلق ما يجعله سيداً في مجلسه.
إن اللطف ليس زينة أخلاقية توضع عند الحاجة، بل هو صورة من صور الحكمة. وما أكثر الذين كسروا القلوب وهم يظنون أنهم يربّونها، وما أكثر الذين أصلحوا النفوس لأنهم أحسنوا مخاطبتها.
وقد أرشدنا الله سبحانه إلى هذا المعنى العظيم في قوله تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
تأمل كيف ربط الله اجتماع القلوب باللين، وكيف جعل الرحمة سبباً في بقاء الناس حول أعظم قائد عرفته البشرية. إنها رسالة تتجاوز حدود الزمن، وتخبرنا أن النفوس لا تُفتح بالمطارق، بل تُفتح بالمفاتيح.
وفي الحديث الصحيح يقول رسول الله ﷺ:
«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».
وكأن هذا الحديث يضع قانوناً للحياة كلها؛ فالرفق يزيد الأشياء جمالاً، والقسوة تنتزع منها بهاءها. حتى الحق نفسه قد يكرهه الناس إذا قُدِّم بفظاظة، بينما قد يتقبلون النصيحة الصعبة إذا جاءت في ثوبٍ من رحمة.
ومن أجمل ما يُروى عن التابعين أن الحسن البصري رحمه الله كان إذا بلغه خطأ من أحد الناس لم يندفع إلى فضحه أو التشهير به، بل كان يبدأ بالدعاء له ثم يناصحه بلطف. لأنه كان يعلم أن النفوس ليست حجارة تُكسر، بل قلوب تحتاج إلى من يأخذ بأيديها.
وفي عصرنا الحديث تتكرر القصة نفسها بأشكال مختلفة. فقد نشرت إحدى الجهات التعليمية قصة معلمٍ لاحظ أن أحد طلابه يعيش عزلة شديدة وتراجعاً في مستواه. كان الجميع يراه طالباً مهملاً، لكنه اقترب منه بهدوء وسأله عن حاله، ثم منحه اهتماماً صادقاً. بعد أشهر تغير مسار الفتى تماماً، وأصبح من المتفوقين.
لم تكن المعجزة في خطة تعليمية معقدة، بل في كلمة إنسانية بسيطة.
وهنا تكمن المفارقة الساخرة؛ فالعالم ينفق المليارات لإصلاح المشكلات الاجتماعية، بينما كثير من الجروح كان يمكن أن تلتئم بقليل من الرحمة وكثير من الأدب.
وقد قال ليو تولستوي: “لا يوجد في العالم ما هو أقوى من اللطف”. أما الفيلسوف سينيكا فكان يرى أن أعظم انتصار للإنسان هو قدرته على التحكم في غضبه.
والحقيقة أن هؤلاء جميعاً لامسوا جانباً من الحكمة التي جاء بها الإسلام كاملة واضحة. فالمؤمن لا يترفق بالناس لأنه يريد أن يبدو لطيفاً فحسب، بل لأنه يتعبد لله بحسن خلقه، ويرجو رضاه، ويعلم أن الله سبحانه هو الرحيم الكريم الحليم، وأن أحب الأعمال إليه ما كان أقرب إلى الرحمة والإحسان.
ولعل من المؤسف أن بعض الناس ما زالوا يخلطون بين اللين والضعف، وبين الأدب والانكسار. بينما الواقع يخبرنا أن التحكم في اللسان يحتاج قوة أكبر من إطلاقه، وأن كظم الغيظ أصعب من التنفيس عنه، وأن الرجل الذي يملك نفسه عند الغضب أشد بأساً من الذي يملك صوته فقط.
إن النبل الحقيقي لا يُقاس بحجم النفوذ، ولا بعدد الأتباع، ولا بكمية التصفيق. النبل الحقيقي يظهر حين تكون قادراً على الإيذاء ثم تختار العفو، وحين تكون قادراً على القسوة ثم تختار الرحمة، وحين تستطيع أن تجرح فتقرر أن تداوي.
وهؤلاء هم الذين يتركون أثراً لا يُشترى بالمال.
يمرون في الحياة مرور النسيم، لكن ذكراهم تبقى في القلوب طويلاً. لا يملكون ضجيج المشاهير، ولا صخب المتصدرين، لكنهم يملكون شيئاً أثمن؛ يملكون احترام الناس ومحبتهم ودعواتهم.
وفي نهاية المطاف، حين ينقشع غبار المنافسات اليومية، وتخفت أصوات الجدل، وتذبل مظاهر القوة المؤقتة، يبقى سؤال واحد فقط:
كم قلباً أرحته؟
وكم نفساً رفعتها؟
وكم إنساناً خرج من عندك أكثر طمأنينة مما كان؟
هناك فقط يُعرف النبلاء.
وهناك فقط ندرك أن آخر النبلاء لم يكونوا أولئك الذين تحدثوا أكثر من غيرهم، بل أولئك الذين تحدثوا بهدوء… فسمعتهم القلوب.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



