cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

الذين يبتسمون رغم الخراب …!!

“اللهُ أرحمُ بعباده من خوفهم، وألطفُ بهم من أمنياتهم، وما ضاقت روحٌ تعلّقت بالله إلا فتح لها من رحمته بابًا لا يخطر على قلب بشر.”

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

في هذا العالم المزدحم بالركض واللهاث والوجوه التي تُشبه إشعارات الهواتف أكثر مما تُشبه القلوب… صار الإنسان إذا احتاج شيئًا، قبض يده عليه خوفًا من الفقد، بينما الحكمة الإلهية العجيبة تقول لك بهدوء المؤمنين: إذا احتجت شيئًا… فأعطه لغيرك.
نعم… أعطه!
ويا للمفارقة الساخرة التي تُربك المنطق الأرضي كله… الإنسان إذا احتاج مالًا أمسك جيبه، بينما أبواب الله لا تُفتح بالبخل بل بالعطاء، وإذا احتاج دعوةً راح يفتش عن الصالحين ليطلب منهم الدعاء، بينما أبواب الرحمة تتسع حين يدعو هو لغيره بصدق، وإذا أثقله الحزن انتظر من يربّت على قلبه، بينما الله يزرع الطمأنينة غالبًا في قلب من يربّت على قلوب الناس.
كأن الحياة كلها تمشي بعكس أنانية البشر.
ولذلك جاء قول الله العظيم الذي يهزّ أعماق النفس قبل الأذن:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
ليست القضية أن تُخرج الفائض… بل أن تُخرج ما تحب، ما تتعلّق به نفسك، ما تخشى فقده، لأن الله جل جلاله لا ينظر إلى حجم العطاء بقدر ما ينظر إلى صدقه، والله سبحانه هو الغني الحميد الذي لا تنفعه صدقات الناس ولا تضره ذنوبهم، ولكنه برحمته جعل العطاء بابًا لتطهير القلوب من قسوة التعلق بالدنيا.
ويكفي أن النبي ﷺ قال:
«مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»
رواه مسلم.
والعجيب أن الناس تحفظ الحديث، ثم ترتجف أيديها عند أول صدقة!
كأن بعضنا يريد أن يختبر وعود البنوك أكثر من اختباره لوعد الله.
أحد الحكماء قال ساخرًا: “البخلاء يحرصون على أموالهم حراسةً شديدة… ثم يتركونها لورثةٍ ينفقونها في أشياء كانوا سيغضبون منها!”
وهذه هي الكوميديا السوداء التي تتكرر منذ آلاف السنين؛ إنسان يضيق على نفسه عمرًا كاملًا، ثم تأتي الحياة في لحظة وتسحب الستار ويذهب كل شيء لغيره، ويبقى ما قدّمه لله وحده.
وقد ذكر أهل السير أن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه مرّ يومًا بغلامٍ أسود يعمل في بستان، فجاءه الطعام، وبينما هو يهمّ بالأكل أقبل كلب جائع، فألقى الغلام له لقمة، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى انتهى الطعام كله. فسأله عبد الله: لمَ لمْ تأكل شيئًا؟ فقال الغلام: “استحيت أن أشبع وهذا المخلوق جائع.”
فبكى عبد الله واشترى البستان والغلام وأعتقه وأعطاه البستان كله.
انظر كيف يصنع الله بلطفه أبواب الفرج… لقيمات خرجت من قلب رحيم، فأعادها الله حياةً كاملة.
هذه ليست قصة عن الكرم فقط… بل عن يقين المؤمن بأن الله لا يضيع المعروف.
واليوم أيضًا تتكرر الحكاية بملامح عصرية. شاب سعودي بسيط تداول الناس قصته قبل فترة؛ كان بالكاد يملك قيمة الوقود، لكنه رأى رجلًا كبيرًا تعطلت سيارته في حرّ الطريق، فتوقف وساعده واشترى له ماءً وطعامًا مما معه القليل، ثم مضى. بعد أيام، اتصلت به شركة كان قد قدّم عليها قديمًا، وتم قبوله في وظيفة غيّرت حياته بالكامل. قد يقول البعض إنها مصادفة… لكن المؤمن يعرف أن الله الكريم إذا رأى من عبده رحمةً بعباده، ساق له من لطفه ما يعجز العقل عن ترتيبه.
فالله سبحانه هو اللطيف الرحيم، وهو الودود الكريم، وهو الغني الذي لا تنفد خزائنه، وهو الواحد الأحد الذي لا يُرجى سواه ولا يُلتجأ إلا إليه، وكل أبواب الدنيا مهما عظمت تبقى صغيرة أمام باب الله إذا فُتح.
ولهذا كان بعض الصالحين يقول: “اطلبوا الحوائج من الله بأجنحة المعروف.”
أما الفيلسوف كونفوشيوس فكان يقول: “العطر يبقى في اليد التي تهدي الورد.”
بينما ذهب جلال الدين الرومي إلى ما هو أعمق حين قال: “حين تساعد إنسانًا… فأنت في الحقيقة تساعد روحك على النجاة.”
وهنا تكمن الحكمة التي لا يفهمها كثيرون؛ أنت لا تُنقذ الفقير وحده، بل تُنقذ قلبك من التحجر، وروحك من العطب، ونفسك من الغرق في عبادة الذات.
ولذلك أكثر الناس تعبًا ليس الفقير دائمًا… بل الأناني.
لأن الأناني يعيش حارسًا لخوفه، بينما الكريم يعيش مطمئنًا إلى الله.
تأمل أولئك الذين يزرعون الفرح في الناس رغم أن الحزن يأكلهم من الداخل… كيف يجعل الله لهم قبولًا عجيبًا ومحبةً خفية، كأن أرواحهم تُضاء من الداخل بنور الطاعة والرحمة. هؤلاء فهموا سرّ الحياة الحقيقي؛ أن الله لا يخذل قلبًا جعل لعباده نصيبًا من اللطف.
وفي زمنٍ صارت فيه العلاقات تُقاس بالمصلحة، والمشاعر تُختصر في “إعجاب”، والوفاء يُستبدل بالصمت البارد… يبقى الإنسان الرحيم عملةً نادرة، يبقى الذي يعطي وهو محتاج أعظم من الذي يعطي من فائضه، ويبقى الذي يدعو للناس وهو مكسور القلب أشبه بملاكٍ يمشي على الأرض بثياب البشر.
لا أحد يخرج من هذه الدنيا بما جمعه… بل بما زرعه.
ازرع دعوةً، ازرع سترًا، ازرع لقمةً، ازرع كلمةً طيبة، ازرع نجدةً في قلب إنسان يوشك أن يسقط… ثم انظر كيف يفتح الله لك من رحمته ما يجعلك تبكي دهشة.
فالله سبحانه لا ينسى المعروف، ولا يضيع دمعة رحمة، ولا يغلق بابه في وجه عبدٍ أحسن لعباده، ومن عرف الله حق المعرفة أدرك أن أعظم تجارة في الحياة ليست مع الناس… بل مع الله الواحد الأحد.

bismallah34@gmail.com

● الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى