العصر الذهبي للفلسفة الإسلامية …قراءة نقدية في فكر محمد لطفي جمعة

بقلم : أبوطالب محمد دغريري
لطالما كان التراث الفكري الإسلامي ساحةً خصبة للتساؤلات الكبرى التى شغلت عقول البشرية قروناً،وفي كتاب “فلاسفة الإسلام” يأخذنا الباحثُ القدير الموسوعي محمد لطفي جمعة في رحلةٍ استقصائيةٍ ماتعة لإكتشاف ملامح هذا التراث ، واستفتح الكتاب بمقدمة جميلة المبنى كبيرة المعنى ،تفوق الوصف ، أصالة في العبارة ، حصافةٌ في النقل ،ودقة في التحليل ، بأسلوبٍ أدبي رصين رفيع وتنبئُ سطور المقدمة عن عبقرية المؤلف الفذة،فبين سردية التأريخ وصرامة المنطق استطاع المؤلف أن يوصل لنا بالدليل أن الفلسلفة الإسلامية لم تكن يوماً صدىً لليونان ،بل كانت إبداعاً إسلاميا عروبيا أصيلاً غير وجه التأريخ ،ومسار الفكر ، اتبع محمد لطفي أسلوب المنهجية الجمعية في تبسيط المعلومة للعامة وسهولة توصيلها لهم في قالب سهل الهضم والفهم ، ودقةٌ علميةٌ متقنةٌ أصيلة للمتخصصين .
مماشدني في أسلوبه أنسنته للفلاسفة ونجاحه في تقديمهم كبشر لهم ظُروفهم الإجتماعية والسياسية وليس من جهة أفكارهم المجردة ، وركز رحمه الله على التوفيق بين الدين والفلسفة وقد تكون هي قضية الكتاب وعموده الفقري ،وله في ثنايا سطور مؤلفه الباذخ لُغةٌ وأسلوب متميزين لغة أدبية رفيعة رصينة وأسلوب أكاديمي ، قلما نجدها في الكتب الفلسفية الجافة.
إنّ عبقرية محمد لُطفي جمعة تكمن في جعل القارئ يشعرُ وكأنه يجلس في حلقة نقاش علمية بين ابن رشد والغزالي فيديرُ الحوار ببراعةٍ ومهارة ؛ دون أن ينحاز لجهةٍ على حساب الأخرى إلا بمقدار مايمليه عليه الدليل العقلي.
وتتمحورُ خلاصة الكتاب حول فكرة أساسية وهي أصالةُ “العقل الإسلامي ” ولقد أبدع المؤلف في إثبات أن الفلسفة عند المسلمين لم تكن مجرد ترجمة حرفية أو تقليد أعمى للفلسفة اليونانية كما أسلفتُ بل كانت عملية ” هضم واحتواء وإبداع ” .
ومن أهم النقاط التى تلخص مااحتوى عليه الكتاب
١/ الوحدةُ والتنوع
يظهر الكتاب كيف تعايشت المدارس الفكرية المتناقضة تحت مظلة الحضارةالإسلامية
٢/ التوفيق بين العقل والنقل
الخيط الواصل لمعظم الفلاسفة الذين أوردهم المؤلف في الكتاب وخاصة ” الكندي وابن رشد ” هي محاولة إثبات أن الحق ” الحق لايضادُ الحق ولا يتعارض معه” أي أنَّ الشريعة الإسلامية لايمكن أن تتصادم مع العقل السليم .
٣/ الفلسلفة أداة ٌ حضارية بين الكاتب أن ازدهار الفلسفة كان دائما مرتبطاً بإزدهار الدولة وقوتها واهتمامها بالمعرفة والعلم ،وأنَّ التراجع الفكري حينما يسود الجمود وضيق الفكر المعرفي .
٤/ المعرفة الشمولية
الفيلسوف في نظر جمعة لم يكن ” منعزلاً” ولا منغلقاً بل كان يمارس حياته ومهامه طبيباً وفلكيًا وصنائعياً وفقيهاً مما جعل فلسفته واقعية ومرتبطة بخدمة الإنسانية.
وفي ختام قراءتي لهذا الكتاب ساأعرج على الجوانب المضئية وفي ذات الوقت ساأدون مالحظته من ملوحظات التى لا تحط من قدر هذا السفر العلمي العظيم .
نقاط القوة
١/ الأسلوب الأدبي
تميز الكاتب بقدرته العالية على تحويل الفلاسفة من أسماء ٍ جامدة في التاريخ إلى “شخصيات حية ”
هو لايعرض أفكارهم فحسب بل يصف عصرهم ،وصراعاتهم الفكرية ، وعلاقتهم بالسلطة ، مما يجعل القراءة ممتعة غير مملة .
٢/ الإنصاف والحيادية
نجح ” جمعة ” في الوقوف على مسافةٍ واحدة من معظم الفلاسفة بالرغم من ميله للعقلانية،إلا أنه أعطى المتصوفة وغيرهم حقهم من الشرح دون تسفيه .
٣/ تفكيك وتسهيل العقد
برع ” جمعة ” في تبسيط المصطلحات الفلسفية المعقدة مثل ” المحرك الذى لا يتحرك ”
وغيرها وصياغة ذلك بلغةٍ فضيحة وسلسلة يفهمها المثقف العام .
الملاحظات النقدية
١/ مبالغته في الدفاع أحياناً فيطغى عليه الحماس ُ فحاول أسلمة بعض الأفكار اليونانية رغم عدم تماشيها مع الشريعة الغراء ، والدفاع عن الفلاسفة بشكلٍ عاطفي لتبرئتهم من ” الزندقة ” الواضحة في افكارهم مما قد يؤثر على الموضوعية العلمية الصارمة التى انتهجها في جُل الكتاب .
٢/ منهجه التاريخي القديم وقد يكون له سببه في أن تدوين الكتاب جاء في مرحلةٍ متقدمة كان جُل اعتمادها على التراجم ، أما القارئ المعاصر فهو يفضلُ ” تاريخ الأفكار” وتطور الفكرة وتسلسل أحداثها عبر الزمن بدلاً من حصر الكتاب في جزرٍ منعزلة .
٣/ اعتماده على مصادر محددة وبالنظر والاستقصاء لفحوى الكتاب نجد أنه يحتاج بعض المراجعات التاريخية.
ويظل هذا العمل علامة فارقة في المكتبة العربية لاسيما في قدرة المؤلف على صياغة الفلسلفة بلغةٍ أدبية لايطولها الجفاف.


