” حوكمة الصناديق العائليّة “

الحمدلله بأن مجتمع المملكة العربية السعوديّة حكامًا ومحكومين مجتمع معطاء يسارع في الإحسان كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى وسهر؛ فحافظ أفراده ومازالوا على منظومة قيمهم وهويتهم الوطنيّة ليقينهم بأن القيم تحقق لهم الأمن والاستقرار والسّير في خطى واثقة نحو التنميّة والتقدم لذلك فإنّ الأسرة السعوديّة ربّت شبابها وفتياتها على العمل التطوعي والتراحم والتعاون على البر والتقوى ، والوقوف بجانب المحتاجين ليصل المجتمع لأعلى درجات التكافل الاجتماعي الذي يعد من أهم القيم الأساسيّة لبناء المجتمعات وازدهارها ؛ فسلك أفراد المجتمع الطرق المتنوعة والوسائل المتعددة لتحقيق ذلك ومنها إنشاء الصناديق العائلية ، وكانت هذه الصناديق في بدايتها مبادرات اجتماعية غير رسميّة بين أفراد العائلة أو القبيلة وهذه المبادرات عبارة عن أموال تجمع من المحسنين لدى فرد أو عدد من الأفراد الثقات تصرف عند الحاجة في أوجه الخير المتفق عليها غير أن هذه الصناديق نجح بعضها وكثير منها تعثّر بسبب الاجتهادات الفرديّة غير الموفقة ،وغياب التخطيط ، والتنظيم ، وضعف الرقابة ، وانعدام العدالة في التوزيع ، وعدم وجود تمكين وحماية قانونية ؛ وهنا تجلى دور الدولة – حفظها الله تعالى – في احتضان هذه المبادرات النبيلة والإشراف عليها وحوكمتها لتنتقل بهذه الصناديق من الاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم ضمانًا لنجاحها ، وتعزيزًا للتكافل الاجتماعي ، واستدامة للخير ، وتحويل العمل التطوعي إلى قوة اقتصاديّة تنعم بها الأسرة والمجتمع، فتولت وزارة الشؤون الاجتماعية الإشراف عليها بقرار وزاري ووضعت لها لائحة تحدد الأهداف ثم بعد تأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي الذي يعد أحد مبادرات رؤية السعودية 2030 ، تولى الإشراف على هذه الصناديق ووضع لها لائحة أساسيّة ، وقواعد تنظيميّة ، ومعيارًا للحوكمة لتحويل العمل في هذه الصناديق من الاجتهادات الفرديّة إلى عمل مؤسسي له خطة ولوائح يسير عليها العاملون فيها لتحقيق أهدافها، ولا يجوز لصندوق من الصناديق ممارسة أي نشاط يخالف أهدافه المحددة في اللائحة الأساسيّة والتي منها : تعزيز صلة الرحم ،وإصلاح ذات البين ، وبث روح التكافل الاجتماعي ، والمساهمة في تعليم وتدريب وتطوير أفراد العائلة ، وتنظيم أوجه الإحسان.
كما اضطلع المركز بمراقبة الصناديق ماليا وقانونيًا للتأكد من التزامها بمبادئ الشفافية والإفصاح ورفع كفاءتها، وتمكينها، وحماية جميع من ينتسب إليها بدءًا بالعاملين عليها والباذلين حتى إيصال البر والعطاء إلى المستفيدين بعدل وأمانة؛
بقي دور القائمين على الصناديق العائليّة في تفعيل الشراكات المجتمعية لتحقيق أهداف التنمية البشرية ، وأن يكون من أولوياتهم إصلاح ذات البين في عوائلهم وقبائلهم لأن الشحناء تفسد ذات البين وفساد ذات البين كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ” هي الحالقة ” تحلق الدين نفسه فكيف بأمور الدنيا ، كما أنّ من أهم عوامل نجاح مثل هذه الصناديق استقطاب الكفاءات ليس فقط في الجوانب الإداري والفنيّة بل أيضا القدوات في العفو والتسامح والتراحم والإيثار لأن فاقد الشيء كما يقال لا يعطيه فمن لا يملك العلم لا يعلم ، ومن لا يعفو لا يعزز التآلف ، ومن لا يعرف الرحمة لا يحسنها ؛ وما اجمل قول المقنع الكندي عندما قال :
ليس العطاء من الفضول سماحةً حتى تجود وما لديك قليل.
إنّ كل خطوة تخطوها الصناديق العائلية لرفع مستوى الحوكمة والالتزام بالأنظمة ورسم الخطط واللوائح ومتابعة تنفيذها لتحقيق أهدافها المحددة في اللائحة إنّما هي خطوات لاستدامة النمو في العطاء والبر داخل عوائلهم وقبائلهم، والسير جنبا إلى جنب مع دولتهم لمجتمع حيوي واقتصاد مزدهر في وطن يسوده العدل.
– تعد المملكة العربيّة السعوديّة من أوائل الدول إن لم تكن الفريدة في هذا النوع المتميز من الحوكمة ليستمر العطاء وتستمر التنميّة؛ وليكتب التاريخ فصلا جديدا من فصول العطاء السعودي.
محمد بن عبد العزيز الحارثي
Tdreeb41@gmail.com


