بيئة عمل بلا روح

بقلم د. سعيد عبد الغني مقليه
ليست كل بيئة عمل مزدحمة بالحركة حيّة، ولا كل مؤسسة مليئة بالموظفين نابضة بالمعنى. فثمة فرق شاسع بين مكان يُؤدَّى فيه العمل، وبيئة تُصان فيها القيم، ويُحترم فيها الدور، وتُدار فيها المسؤوليات بوعيٍ وأمانة. حين تغيب هذه المعاني، تتحول المؤسسة – مهما بدا شكلها أنيقًا – إلى بيئة عمل بلا روح.
في هذا النوع من البيئات، لا يكون الخلل في الأنظمة المكتوبة، بل في الممارسات الخفية. تبدأ المشكلة حين يتجاوز بعض الموظفين أدوارهم المهنية، ويتدخلون في الشؤون القيادية للمؤسسة، لا بدافع الحرص المؤسسي، بل بدافع خدمة مصالح شخصية، أو تعزيز نفوذ، أو تصفية حسابات، أو البحث عن مكاسب لا يقرّها المنصب ولا الأخلاق المهنية.
تتسلل هذه التدخلات بهدوء؛ رأي يُمرَّر خارج القنوات الرسمية، توجيه غير مخوّل، تشكيك في قرارات القيادة، أو محاولات للتأثير على مسار القرار عبر العلاقات لا عبر الكفاءة. ومع الوقت، لا تعود القيادة هي مصدر التوجيه، بل يصبح القرار رهينة همسات، وضغوط غير معلنة، ومراكز قوى صغيرة تنمو في الظل.
وحين يحدث ذلك، تفقد بيئة العمل روحها.
تفقد العدالة معناها، لأن الاجتهاد لا يُكافأ بقدر القرب.
وتفقد الثقة مكانتها، لأن الموظف لا يعلم هل القرار مؤسسي أم شخصي.
وتفقد المبادرة قيمتها، لأن الأفكار تُحارب إذا لم تصدر من “الدائرة المقرّبة”.
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يربك القيادة نفسها. فحين تتعدد الأصوات غير المخوّلة، تختلط الرؤى، ويُستنزف الوقت في إطفاء الحرائق بدل البناء، وتتحول القيادة من صناعة المستقبل إلى إدارة الصراعات الداخلية. وهنا تبدأ المؤسسة بالدوران حول ذاتها، لا تتقدم، ولا تنهار بسرعة، بل تذبل ببطء… وهذا أخطر أشكال الفشل.
بيئة العمل الصحية لا تعني غياب الرأي، ولا إقصاء الموظفين عن المشاركة، لكنها تعني وضوح الأدوار، واحترام التسلسل الإداري، والالتزام بالقنوات النظامية، والفصل الصارم بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية. فالمشاركة الحقيقية تُبنى على المسؤولية، لا على التطفل، وعلى الأمانة، لا على المناورة.
إن أخطر ما تواجهه المؤسسات ليس المنافسة الخارجية، بل التآكل الداخلي. حين تتحول الوظيفة إلى وسيلة نفوذ، ويُستبدل الانتماء المؤسسي بالولاءات الشخصية، تصبح بيئة العمل مكانًا بلا روح، وبلا رسالة، وبلا مستقبل.
وختامًا، إن إنقاذ بيئة العمل لا يبدأ بإعادة هيكلة الأنظمة فقط، بل بإعادة الاعتبار للقيم:
أن يعرف كل فرد حدوده قبل صلاحياته،
وأن تُصان القيادة من التدخلات،
وأن يُقدَّم الصالح العام على أي مصلحة ضيقة.
عندها فقط… تعود الروح إلى بيئة العمل، ويعود العمل ليكون رسالة، لا ساحة صراع



