cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

الذكاء الاصطناعي في خدمة التنمية: بين الطموح والواقع

بقلم : د.. مازن إسماعيل محمد

في زمن تتسارع فيه الابتكارات الرقمية وتتشابك فيه التحديات البيئية والاجتماعية، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز أدوات التغيير في القرن الحادي والعشرين. لم يعد مجرد تقنية متقدمة، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية تسعى من خلالها الدول إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما وضعتها الأمم المتحدة. وبين الآمال المعقودة على هذه التقنية والتحديات التي تعترض طريقها، تتشكل ملامح مستقبل تتداخل فيه الخوارزميات مع السياسات، والتعليم مع الابتكار، والبيئة مع البيانات.

تسعى العديد من الدول إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الحياة، من خلال أنظمة تعليمية ذكية تتكيف مع احتياجات المتعلم، وخدمات صحية رقمية تتيح التشخيص المبكر والرعاية عن بُعد، ونماذج تنبؤية لإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة، فضلًا عن أدوات تحليل مناخية تساهم في الحد من الانبعاثات ومكافحة تغير المناخ. وقد شهد العالم مبادرات رائدة في هذا المجال، مثل الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في السعودية، وإنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي في الإمارات، وبرنامج “AI for Good” في فنلندا، إلى جانب جهود الصين والولايات المتحدة في تطوير المدن الذكية وتحليل البيانات البيئية.

لكن هذا الطموح الرقمي لا يخلو من عقبات. فضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الكفاءات البشرية المؤهلة، وغياب السياسات المنظمة، كلها تحديات تعيق التطبيق الفعلي للذكاء الاصطناعي، خاصة في الدول النامية. كما أن التحيزات الخوارزمية، والاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، ومقاومة التغيير المؤسسي والثقافي، تمثل عوائق إضافية تتطلب حلولًا استراتيجية متكاملة.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تشكل خارطة طريق نحو مستقبل أكثر ذكاءً واستدامة. من بينها الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات البشرية من خلال التعليم والتدريب، ووضع تشريعات واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي وتحمي الخصوصية، بالإضافة إلى مراجعة النماذج الذكية للحد من التحيزات، وتعزيز السيادة التقنية بدعم الابتكار المحلي، وتهيئة البيئة المؤسسية والثقافية لتقبل التحول الرقمي.

إن بناء منظومة ذكاء اصطناعي تخدم أهداف التنمية المستدامة ليس مجرد خيار تقني، بل هو مشروع حضاري يتطلب تكاملًا بين السياسات والتعليم والثقافة والابتكار. والدول التي تنجح في تجاوز التحديات وتطبيق الحلول بذكاء، ستكون في طليعة المستقبل الرقمي المستدام، حيث تُستخدم التكنولوجيا لبناء مجتمعات أكثر عدالة وازدهارًا، لا مجرد أدوات لتحقيق الكفاءة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى