الذين غضبوا من النجاة…!!

✒️راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
«ما أكثرَ رحمةَ الله بعباده حين يجعل في الطريق إشاراتٍ تُنبههم، لا لتمنعهم من المسير، بل لتحفظ أقدامهم من التعثر، وتبقي قلوبهم متجهةً إليه وحده.»
ليست كل الكلمات التي تُقال للناس قيوداً تُكبلهم، ولا كل النصائح أسواراً تُحاصر أحلامهم، فبعض العبارات الصادقة ليست إلا لافتاتٍ مضيئة على حواف الطرق الملتوية، كتلك التي تراها قبل المنحدرات الحادة والمنعطفات الخطرة، لا تقول لك: “توقف”، بل تقول لك: “انتبه”.
والفرق بين العاقل وغيره أن الأول يفهم الإشارة، أما الثاني فيغضب منها.
في زماننا هذا أصبح كثير من الناس يتعاملون مع النصيحة كما يتعامل الطفل مع دواء الشفاء؛ يرفضه لأنه مرّ، وينسى أنه جاء لإنقاذه لا لإيذائه. فإذا حذّرته من اندفاعٍ أهلك غيره، ظن أنك تحسده. وإذا نبهته إلى منزلقٍ سقط فيه كثيرون، توهم أنك تعرقل مسيرته. وكأن بعض البشر يريد طريقاً بلا حفر، وحياةً بلا اختبارات، ونجاحاً بلا تنبيه.
والحقيقة أن الله جل جلاله، المتفرد بالكمال، المنزه عن كل نقص، لم يجعل التحذير عدواً للإنسان، بل جعله من أعظم صور رحمته به. ولذلك امتلأت نصوص الوحي بالتبشير حيناً، وبالإنذار حيناً آخر، لأن القلوب لا تستقيم إلا بين جناحي الرجاء والخوف من الله وحده.
قال الله تعالى:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» رواه مسلم.
تأمل هذا المعنى العظيم؛ لم يقل الدين المصلحة، ولا الدين المجاملة، ولا الدين التصفيق للناس، بل قال: «الدين النصيحة». لأن الأمم لا تنهار حين يقل المال، بل حين يختفي الناصح الصادق، ويحل مكانه المصفقون.
ويُروى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: “رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي”. عبارة قصيرة، لكنها تهز الجبال. رجلٌ يحكم أمةً تمتد على مساحات شاسعة، ومع ذلك يعتبر من يكشف له خطأه صاحب هدية لا صاحب إساءة.
أما اليوم فقد انقلبت الموازين أحياناً؛ فبعض الناس يرى من يمدحه صديقاً ولو خدعه، ويرى من ينصحه عدواً ولو أنقذه.
ولعل من أجمل القصص التي تتكرر بصور حديثة ما نراه في عالم الأعمال والاستثمار. فقد حكى أحد رجال الأعمال الناجحين أنه كان على وشك الدخول في مشروع ضخم ظنه باباً للثراء السريع. كان الجميع يباركون ويصفقون ويشجعون. وحده رجل مسنّ خبير جلس معه وقال: “راجع التفاصيل مرة أخرى”.
ضاق الشاب بهذه الكلمات، وعدّها تشاؤماً وتأخيراً للنجاح. لكنه عاد للمراجعة على مضض، فاكتشف ثغرات قانونية ومالية كانت كفيلة بإفلاسه خلال أشهر.
بعد سنوات قال: “ذلك الرجل لم يكن جداراً في طريقي، بل كان سور حماية على حافة هاوية لم أرها.”
وهكذا هي الحياة.
الناصح ليس من يقف أمامك ليمنعك من التقدم، بل من يضيء لك ما لا تراه.
وقد أدرك الحكماء هذا المعنى منذ قرون طويلة. كان الفيلسوف سقراط يرى أن الحياة غير المتأملة حياة ناقصة، وكان يقصد أن الإنسان يحتاج دائماً إلى من يوقظه للأسئلة التي يهرب منها. أما كونفوشيوس فكان يقول إن الإنسان الحكيم لا يخجل من تصحيح مساره. بينما لخّص ابن المقفع المعنى كله حين أشار إلى أن أعظم الناس نفعاً لك من كشف لك عيبك لا من زينه لك.
والمفارقة الساخرة أن كثيراً من البشر يثقون بلافتة معدنية على الطريق أكثر مما يثقون بكلمة صادقة من محب.
فإذا رأى لوحة كتب عليها: “انتبه، الطريق زلق”، خفف سرعته فوراً.
لكن إذا قال له أخوه: “انتبه، هذا القرار قد يؤذيك”، اتهمه بالحسد والتشاؤم والتدخل!
يا للعجب…
نطيع الحديد، ونجادل القلوب.
نصدق الطلاء الأحمر على الأعمدة، ونكذب التجارب التي كلفت أصحابها أعماراً كاملة.
ولذلك فإن النضج الحقيقي ليس أن تمشي وحدك، بل أن تعرف متى تصغي.
وليس الذكاء أن ترفض كل تحذير، بل أن تميز بين من يريد إيقافك ومن يريد حمايتك.
إن الحياة ليست طريقاً مستقيماً مفروشاً بالورود، لكنها أيضاً ليست فخاً كبيراً كما يتصور المتشائمون. إنها رحلة يمضي فيها الإنسان بين دروس الله وآياته وعبره، وبين تجارب البشر من حوله. ومن رحمة الله الواسعة أن يجعل في كل مرحلة من يرفع لافتة تنبيه، ويقول لك بلغة مختلفة: انتبه هنا.
فمن الناس من تأتيه الإشارة عبر نصيحة أب.
ومنهم من تأتيه عبر تجربة صديق.
ومنهم من تأتيه عبر خسارة صغيرة تحميه من خسارة أكبر.
ومنهم من تأتيه عبر كلمة عابرة يقرأها في مقال أو يسمعها في مجلس.
وفي كل ذلك تتجلى حكمة الله ولطفه الخفي بعباده، فهو سبحانه الواحد الأحد، الكامل في أسمائه وصفاته، الذي يفتح أبواب الهداية بأسباب كثيرة، ويجعل في الأحداث رسائل، وفي التجارب مواعظ، وفي الكلمات الصادقة مصابيح للطريق.
وفي النهاية، ليست مهمتنا أن نمنع الناس من السير، ولا أن نصادر أحلامهم، ولا أن نغلق أبواب المغامرة أمامهم. إنما مهمتنا أن نضع اللافتة حيث يجب أن توضع، وأن نؤدي الأمانة بصدق، ثم نترك للناس حرية الاختيار.
فالطرقات لا تُلام على وجود المنعطفات، واللافتات لا تُلام لأنها حذّرت، والعاقل هو من يشكر من نبّهه قبل أن يشكر من صفق له.
فما أجمل أن نكون في حياة الآخرين علامات هداية لا علامات تعطيل، ومصابيح بصيرة لا أبواق ضجيج، وأن ندرك أن بعض الكلمات التي تضايقنا اليوم قد تكون هي نفسها الجسر الذي يعبر بنا غداً إلى بر الأمان.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



