cccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccccc cccccccccccccccccccccccccccccc

سُلَّمُ النَّجاة …!!

 

“في أكثر اللحظاتِ ظلمةً، كان اللهُ يُخبّئُ لعبادهِ بابًا لا يراهُ الخائفون… ويقودُ القلوبَ المُتعبةَ إليه برحمتهِ قبلَ أن تهتدي إليه أعينُهم.”

لم يكن الإنسانُ يومًا يغرقُ بسببِ العاصفةِ وحدها… بل بسببِ ظنّه أن اللهَ تركهُ في منتصفِ البحر.

وهذهِ أعظمُ الكذباتِ التي يُصدّقها القلبُ حين يتعب.

فكم من رجلٍ جلسَ في آخر الليلِ يحدّقُ في سقفِ غرفتهِ كأنّهُ ينظرُ إلى حطامِ عمره، بينما كانت رحمةُ اللهِ تتحرّكُ نحوهُ بهدوءٍ لا يُرى… وكم من امرأةٍ ظنّت أن الأبوابَ أُغلقت، ثم اكتشفت بعد أشهرٍ أن اللهَ كان يُنقذها من بابٍ كانت تتمنّى دخوله.

نحنُ لا نهلكُ لأن الحياةَ قاسية… نحنُ نكادُ نهلكُ حين ننسى أن اللهَ أرحمُ بنا من خوفنا، وأعلمُ بنا من ظنوننا، وألطفُ بنا من إدراكنا المحدود.

ولذلك كان بعضُ الحكماءِ يقولون: “المصيبةُ ليست أن تسقط… المصيبةُ أن تظنّ أنّ اللهَ لا يراك وأنت تنهض.” وكان جلالُ الدين الرومي يلمسُ هذا المعنى حين قال: “الجُرحُ هو المكانُ الذي يدخلُ منه النور.” لكنّ المؤمنَ يعرفُ أن النورَ ليس نورَ فكرةٍ عابرة، بل نورُ هدايةٍ ورحمةٍ من اللهِ الواحدِ الأحد، الذي لا يُعجزهُ قلبٌ مكسور، ولا يُرهقهُ إصلاحُ روحٍ أنهكَها التعب.

قال الله تعالى:

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا ﴾ [الطلاق: 2-3]

هذهِ الآيةُ ليست كلماتٍ تُقرأُ في لحظةِ وعظٍ عابرة… هذهِ سُلَّمُ نجاةٍ حقيقيٌّ يتدلّى فوقَ قلوبِ الغرقى.

لكنّ المشكلةَ أن بعضنا يريدُ النجاةَ بطريقةٍ سينمائيةٍ مستحيلة؛ يريدُ أن تنشقَّ الحياةُ فجأةً عن موسيقى انتصار، وأن يخرجَ من أزمتهِ كما يخرجُ أبطالُ الأفلامِ ببدلةٍ نظيفةٍ وشَعرٍ مرتب.

والحقيقةُ الساخرةُ أن معظمَ الناسِ يخرجونَ من أزماتهم وهم يشبهونَ أكياسَ البطاطسِ المنسيّةِ في زاويةِ السيارة… مُتعبين، مُبعثرين، لكنّهم نجوا.

وهذهِ النجاةُ وحدها معجزة.

أتعلمون ما الذي يُدهشني؟

أن اللهَ يُمهلُ الإنسانَ كلَّ هذا العمرِ ليتعلّم درسًا واحدًا: لا تتعلّق بشيءٍ أكثرَ من تعلّقك بالله.

فالوظيفةُ قد ترحل، والناسُ قد يتغيّرون، والصديقُ الذي كان يقسمُ أنّهُ لن يترككَ قد يختفي أسرعَ من اختفاءِ الشبكةِ في الصحراءِ حين تحتاجُ اتصالًا عاجلًا، لكنّ اللهَ وحدهُ لا يغيب.

اللهُ الذي لا ينسى عباده، ولا يتركُ المنكسرين، ولا يُسلّمُ القلوبَ المؤمنةَ للتيهِ بلا لطف.

وفي زمنِ التابعين، يُروى أن رجلًا جاء إلى الحسن البصري رحمهُ الله يشكو ضيقَ الدنيا وتراكمَ الهموم، فقال له الحسن: “استغفرِ الله.” ثم جاءه آخرُ يشكو الفقر، فقال له: “استغفرِ الله.” وجاءه ثالثٌ يشكو القحط، فقال له: “استغفرِ الله.” فتعجّب الناسُ من تكرارِ الجواب، فقال الحسن: “ما قلتُ من عندي شيئًا”، ثم تلا قولَ الله تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ۝ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًۭا ﴾ [نوح: 10-12]

يا الله…

حتى النجاةُ أحيانًا تبدأُ بكلمةِ “أستغفرُ الله”.

نحنُ نظنُّ أن الحلولَ دائمًا معقّدة، بينما اللهُ يفتحُ لعبادهِ أبوابًا عظيمةً بأعمالٍ بسيطة.

وقد قال النبي ﷺ:

«مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» رواه أبو داود.

وأحيانًا يكونُ سُلَّمُ النجاةِ الحقيقيُّ بسيطًا بشكلٍ يُثيرُ السخرية.

كأن ينجو الإنسانُ بسببِ دعوةِ أمٍّ في آخر الليل، أو بسببِ آيةٍ سمعها مصادفةً وهو يقودُ سيارتهُ هاربًا من ضجيجِ العالم، أو بسببِ رجلٍ طيّبٍ قال له: “لا تيأس… اللهُ أكبرُ من كلِّ هذا.”

وكم من أناسٍ ظنّوا أن نجاتهم ستكونُ عبرَ المال، ثم اكتشفوا أن النجاةَ كانت في سجدة.

وكم من أشخاصٍ لاحقوا البشرَ حتى أتعبتهم الوجوه، فلمّا عادوا إلى الله، شعروا وكأنّ أرواحهم خرجت من غرفةٍ خانقةٍ إلى فضاءِ الطمأنينة.

حتى الفيلسوفُ سقراط كان يقول: “اعرف نفسك.” لكنّ المؤمنَ يعرفُ أن أعظمَ معرفةٍ للنفسِ أن تدركَ فقرها الكاملَ إلى الله.

ولذلك فإن أكثرَ الناسِ سلامًا ليسوا الذين يملكون كلَّ شيء… بل الذين أيقنوا أن اللهَ يكفيهم.

في زمننا الحديث، نرى شابًّا ينهارُ لأن هاتفهُ تعطّل، وآخرَ يدخلُ في اكتئابٍ لأن منشورهُ لم يحصل على الإعجاباتِ الكافية، وكأنّ قيمةَ الإنسانِ أصبحت تُقاسُ بعددِ الغرباءِ الذين يضغطون زرًّا أزرق.

يا للسخرية…

صرنا نبحثُ عن التقديرِ في جيوبِ الناس، بينما اللهُ يفتحُ لعبادهِ أبوابَ الكرامةِ بالقربِ منه.

إن العالمَ اليومَ مزدحمٌ بالضجيج، لكنّ القلوبَ التي تعرفُ اللهَ تملكُ هدوءًا لا تشتريه المقاهي الفاخرة، ولا تمنحهُ الشهرة، ولا تصنعهُ الأموال.

لأن الطمأنينةَ ليست رفاهية… الطمأنينةُ أثرٌ من آثارِ معرفةِ الله.

وحين يتأملُ الإنسانُ حياته، سيكتشفُ أن اللهَ نجّاهُ مراتٍ لا تُحصى.

نجّاهُ من كلمةٍ لو قالها لخسرَ قلبًا يحبّه.

ونجّاهُ من طريقٍ لو سلكهُ لضاع.

ونجّاهُ من أشخاصٍ ظنّهم نعمةً وكانوا بابَ تعب.

ونجّاهُ حتى من نفسهِ أحيانًا.

ولهذا فإن المؤمنَ الحقيقيَّ لا يمشي في الأرضِ متكبّرًا، بل ممتنًّا.

يمشي وهو يعلمُ أن اللهَ لو تركهُ لنفسهِ لحظةً واحدةً لتعثّر.

يا صديقي…

ليس مطلوبًا منك أن تكونَ خارقًا.

ولا أن تربحَ كلَّ المعارك.

ولا أن تبدو قويًّا طوالَ الوقت.

يكفي أن تعرفَ طريقَ اللهِ حين تتعب، وأن تؤمنَ أن رحمتهُ أوسعُ من أخطائك، وأن لطفهُ يسبقُ خوفكَ، وأن النجاةَ ليست دائمًا نهايةَ العاصفة… أحيانًا النجاةُ أن يمنحكَ اللهُ قلبًا هادئًا وسطها.

وهذا أعظمُ سُلَّم…!!

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى