“لا بأس”…!!

حين يختارك الله للنجاة، يزرع في قلبك سكينةً لا يفهمها العالم، ويُطفئ بلطفه الحروب التي تعجز الكلمات عن شرحها
✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
في هذا العالم الذي يُرهق الإنسان حتى وهو جالس، ويجعله يبتسم أحيانًا فقط كي لا يشرح ما بداخله، هناك لحظة غامضة لا تُشبه ما قبلها… لحظة ينتقل فيها المرء من الحافة إلى الطمأنينة، من الاختناق إلى “لا بأس”، من الشعور بأن الحياة انتهت… إلى اكتشاف أنها كانت فقط تُعيد ترتيب قلبه بطريقةٍ لا يفهمها إلا بعد النجاة.
يُروى أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، في أيام محنته الشهيرة، ضُرب وسُجن وأُوذي حتى ظن الناس أن الرجل لن ينهض بعدها أبدًا، لكنه خرج بقلبٍ أصلب من السجن نفسه. لم يكن ينتصر بقوته، بل بيقينه بالله. كانوا يظنون أن الألم يُطفئ الإنسان، بينما كان الألم عند المؤمن الحقيقي يعيد تشكيله بطريقةٍ أكثر نقاءً. ولذلك بقي اسمه حيًّا، لا لأنه لم يتعب، بل لأنه لم يفقد ثقته بالله وسط التعب.
وفي كتاب الله تعالى تلك الآية التي تُربّت على روح الإنسان دون ضجيج، يقول سبحانه:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
يا لها من آية… لا تمنحك مجرد أمل، بل تعيد بناءك من الداخل، وتذكّرك أن الله أعظم من ضيقك، وأرحم من خوفك، وأقرب إليك من كل ما يُرهقك.
وقال رسول الله ﷺ:
“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا” رواه أحمد.
حديثٌ لو فهمه الإنسان حقًّا، لما خاف من تعثر الأيام، لأن المؤمن لا يعيش على ثبات الظروف، بل على يقينه بثبات الله ورحمته ولطفه.
يقول “سقراط” إن “الروح القوية ترى في العثرة درسًا، بينما تراها الروح الضعيفة نهاية”، لكن المؤمن يرى ما هو أبعد من الدرس والنهاية، يرى أن الله لا يترك قلبًا صادقًا يتخبط وحده، وأن اللطف الإلهي قد يأتي متأخرًا في نظرنا، لكنه يأتي في اللحظة التي يعلم الله أنها الأنسب لعباده.
وكم من إنسانٍ في عصرنا هذا كان يظن أن حياته انتهت عند خسارةٍ أو مرضٍ أو وحدةٍ طويلة، ثم اكتشف بعد سنوات أن تلك المرحلة نفسها كانت الباب الذي قاده إلى النضج والهدوء والنجاة. شابٌ فقد وظيفته ذات يوم، فجلس يلعن الظروف، ويشعر أن العالم ينهار فوق رأسه. وبعد أشهر، اضطر لبدء مشروع صغير كان يخاف خوضه منذ سنوات، فإذا به ينجح نجاحًا لم يكن يتخيله. بعد مدة قال لصديقه ساخرًا: “أحيانًا الحياة تطردك من بابٍ ضيق حتى يدفعك الله إلى بابٍ أوسع.” وهكذا نحن… نبكي كثيرًا على أشياء لو بقيت معنا، لتعِبنا أكثر.
الفيلسوف “ألبير كامو” قال يومًا: “في عمق الشتاء، اكتشفت أن داخلي صيفًا لا يُقهر”، لكن المؤمن يعرف أن ذلك الصيف ليس من نفسه وحدها، بل من رحمة الله التي يضعها في قلب عبده حين تضيق الدنيا عليه.
يا الله… ما ألطفك حين تنقذ عبادك بطرقٍ لا ينتبهون لها. كم مرة أبعدت عنّا شرًّا لم نفهمه إلا متأخرين؟ وكم مرة ظننا أن الأبواب أُغلقت، بينما كنتَ تفتح لنا بابًا أكثر رحمةً وأخفَّ وجعًا؟ إن الإنسان أضعف من أن يحمل نفسه وحده، ولذلك كانت الطمأنينة منحة ربانية لا تُشترى، ولا تُنتزع بالقوة، بل تُوهب لمن أرهقه الطريق ثم احتمى بالله.
الحياة لا تصبح مثالية فجأة، لكن القلب حين يطمئن بالله، تصبح المصائب أقل ضجيجًا، ويصبح الخوف أخف، ويصبح الإنسان قادرًا على أن يقول وسط العاصفة: “لا بأس”… لا لأنه لا يتألم، بل لأنه يعرف أن الله معه.
وفي النهاية، لا ينتصر الإنسان لأنه قوي دائمًا، بل لأنه في اللحظة التي كان فيها على وشك الانطفاء، وجد نورًا خفيًا أعاده إلى نفسه من جديد. تلك هي الحكاية كلها… العبور الهادئ من التعب إلى “لا بأس”.
bismallah34@gmail.com.
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام



