.. خارج التغطية …!!

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
“اللهُ يعلمُ كيفَ يُنقذُ عبادهُ بلطفٍ خفيّ، وكيفَ يجعلُ في ابتسامةٍ صغيرة حياةً كاملة لقلبٍ أنهكهُ الطريق.”
في زوايا الحياة التي لا تُدوَّن في دفاتر الضجيج، يولد بعض الناس وكأنهم رسالة خفيفة من الله إلى العالم، لا تُفهم سريعًا لكنها تُشعر القلب بالأمان كلما مرّت. كانوا يرونه يضحك، فيظنون أن وراء ضحكته شيئًا مخفيًا، وكأن الفرح لا يُولد بلا سبب، وكأن الطمأنينة لا تُعاش إلا بعد تعبٍ طويل.
هو لم يكن يُجيد التمثيل، بل كان عاجزًا عنه أصلًا. إذا قال أحببتك، ظهر ذلك في صوته دون أن يستأذن، وإذا سامح، سقطت الأحقاد من قلبه كأنها لم تكن. في زمنٍ أصبح فيه الصدق عملة نادرة، بدا هو كأنه خارج السوق، خارج الحسابات، خارج كل ما تعوّد عليه الناس من أقنعة.
كان يجلس بينهم، فيُربكهم أكثر مما يُريحهم. ليس لأنه غريب، بل لأنه واضح. والوضوح في هذا العصر يُشبه جريمة غير مكتملة الأركان، لا يُعاقب عليها القانون، لكن يُحاسب عليها الناس بنظراتهم الطويلة.
يقول فريدريك نيتشه: “لا شيء أكثر خداعًا من البساطة الظاهرة.”
لكنهم لم يفهموا أن بساطته لم تكن خداعًا… بل كانت نُضجًا لا يحتاج إلى شرح.
وفي كل مرة يبتسم فيها، كان يترك سؤالًا عالقًا في عيون الآخرين: كيف يمكن لقلبٍ أن يبقى خفيفًا بهذا الشكل؟ كيف لا تتراكم داخله الخيبات حتى تُثقله؟ لم يعلموا أن بعض القلوب لا تتكدس فيها الجراح، بل تمرّ منها ثم تخرج.
وفي عمق التجربة، كان هناك معنى أكبر من كل ما يراه الناس. معنى لا يُقال بل يُعاش: أن الله جلّ جلاله لا يترك قلبًا صادقًا بلا عناية، وأن في كل انكسارٍ بابًا للطمأنينة لا يراه إلا من سلّم أمره لله حق التسليم.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
هذه ليست آية تُتلى فحسب، بل ميزان يُعيد ترتيب الداخل حين يختل كل شيء في الخارج.
كان يشبه في نقائه بعض سير الصالحين، كأن في داخله أثرًا من أولئك الذين فهموا الحياة دون ضجيج. يُروى عن الحسن البصري أنه قال: “ما زالت التقوى بالقلوب حتى صارت أنسًا.” وهكذا كان هو… أنسًا يمشي، لا فكرةً مجردة.
وفي عالمٍ يرفع صوته ليُثبت وجوده، كان هو يكتفي بابتسامة. والابتسامة حين تكون صادقة تتحول إلى موقف، وإلى مقاومة هادئة ضد كل ما يحاول أن يُطفئ الروح.
لم يكن يبحث عن تصفيق، ولا عن تفسير. كان فقط يعيش كما خلقه الله: بسيطًا، خفيفًا، لا يحمل العالم فوق كتفيه، بل يمر به مرور من يعرف أن الله أكبر من كل شيء.
وفي لحظةٍ ما، لم تتغير الحياة، لكن تغيّر الفهم داخله. أدرك أن عليه ألا يشرح نفسه لأحد، وأن من لا يفهم النقاء من أول وهلة، لن يفهمه ولو كُتب له ألف شرح. فابتسم أكثر… ليس لأنه لم يتألم، بل لأنه قرر ألا يُهزم.
وهكذا بقيت ابتسامته…
متهمة عند البعض،
لكنها عند الحقيقة… كانت براءة قلبٍ نجا، ولم يتلوث.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام الداخلي 479438



