داخلي مدينةٌ من التعب …!!!

عبارة سينمائية:
حين يمرّ الله على قلبٍ مُنهك، لا يرفعه دفعة واحدة… بل يعيد إليه نفسه شيئًا فشيئًا، حتى يظن أنه كان ضائعًا ثم يكتشف أنه كان محفوظًا طوال الوقت.
✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
في داخل الإنسان مدنٌ لا يراها أحد.
مدنٌ تُبنى من الصمت، وتنهار من القلق، وتُعاد هندستها كل ليلة دون أن يلاحظ العالم شيئًا.
هناك، في تلك المساحة الخفية من الروح، يعيش الإنسان أكثر نسخه صدقًا… نسخة لا تتجمّل، لا تتصنّع، لا تعرف كيف تشرح نفسها جيدًا، لكنها تعرف كيف تتعب بصمت.
“داخلي مدينةٌ من التعب”… ليست جملة شعرية بقدر ما هي اعتراف إنساني قديم، يتكرر بأسماء مختلفة منذ أن عرف البشر معنى الخوف، ومعنى الانتظار، ومعنى أن تستيقظ في منتصف الليل وأنت لا تعرف لماذا قلبك لا يهدأ رغم أن العالم يبدو ساكنًا.
كم مرة ظننت أن الهدوء الخارجي يعني سلامًا داخليًا، ثم اكتشفت أن أكثر الناس ضجيجًا هم أولئك الذين يبتسمون كثيرًا؟
وكم مرة مرّ بك يومٌ عادي من الخارج، بينما في داخلك كانت حربٌ كاملة لا يراها أحد؟
هنا تبدأ الحقيقة التي لا تُقال: الإنسان لا يُقاس بما يبدو عليه… بل بما نجا منه دون أن يخبر أحدًا.
في التاريخ قصص تشبهنا، ولو اختلفت الأزمنة.
يُروى عن أحد الصالحين في بدايات العصور الإسلامية أنه كان يعيش ضيقًا شديدًا، حتى كان يظن أن الطريق قد انغلق عليه تمامًا. فكان يخرج ليلًا، لا يطلب شيئًا سوى أن يُخفف الله ثقل صدره. ثم بعد سنوات، صار يُضرب به المثل في سكينة القلب، وكان يقول لمن حوله: “لم أنجُ بقوتي، بل بلطف الله حين كنتُ أضعف من أن أواصل وحدي.”
وهكذا هي حياة الإنسان… ليست انتصارًا دائمًا، بل سلسلة نجاتٍ متكررة لا ينتبه لها إلا بعد أن تمرّ.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
ولم يقل بعد العسر، بل معه… وكأن التخفيف يسير بجوار الانكسار، لكن الإنسان لا يراه إلا متأخرًا.
وقال رسول الله ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير… إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»
رواه مسلم.
وهنا تتكشف المفارقة العجيبة: ما يراه الإنسان تعبًا خالصًا، قد يكون في علم الله إعادة تشكيل هادئة لروحه، لا يُدركها إلا حين يلتفت إلى الوراء.
كان فريدريك نيتشه يقول: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى.” لكن التجربة الإنسانية أعمق من ذلك؛ ليس كل ما لا يقتل يقوّي مباشرة، أحيانًا يمرّ الإنسان بالضعف أولًا… ثم يتعلم كيف يقف، لا لأنه قوي، بل لأنه لم يعد يملك خيارًا آخر إلا النهوض.
وفي هذا المعنى يلتقي الأدب بالحياة، كما عند محمود درويش حين كان يكتب بروحٍ تمشي على حدود الألم والجمال معًا، وكأنه يقول: “نحن لا ننجو لأننا أقوياء، بل لأننا نحب الحياة رغم تعبنا منها.”
وهذا الحب للحياة، هو شكلٌ من أشكال النجاة.
ليس ضجيجًا ولا ادعاءً، بل محاولة يومية بسيطة: أن تقوم من سريرك، أن ترد على الحياة رغم ثقلها، أن تبتسم رغم أن الداخل لا يبتسم، أن تؤجل الانهيار إلى وقتٍ لاحق، ثم تنساه لأن يومًا آخر جاء.
كم من إنجازٍ صغير لا يراه أحد، لكنه عند الله عظيم؟
أن تُكمل يومك رغم القلق… هذا إنجاز.
أن لا تنكسر أمام فكرة سوداء… هذا انتصار.
أن تصلي رغم الفوضى… هذا ثبات.
أن لا تؤذي أحدًا رغم الألم… هذا عظمة لا تُرى.
وفي كل ذلك، هناك يدٌ خفية من لطف الله، تُبقي الإنسان قائمًا دون أن يشعر كيف قام.
ولعل أخطر ما في التعب… أنه يجعل الإنسان يظن أنه وحيد.
لكن الحقيقة أن الله أقرب إليه من نفسه، يراه حين لا يراه أحد، ويعلم ما لا يقوله، ويُخفف عنه بطرق لا يفهمها إلا بعد أن تمر.
ولهذا، حين تنظر إلى داخلك اليوم وتقول: “داخلي مدينةٌ من التعب”… لا تقلها كحكمٍ نهائي، بل كمرحلة عابرة في طريق طويل.
فالمدن تنهض بعد الخراب، والقلوب أيضًا.
وفي النهاية، ليس المطلوب منك أن تكون كاملًا، ولا قويًا طوال الوقت… بل أن تبقى حاضرًا في حياتك، حتى حين تكون متعبًا.
فالله لا يطلب منك إلا ما تستطيع، ثم يوسّعك لما هو أكثر مما كنت تظن أنك قادر عليه.
وهكذا يمشي الإنسان… لا منتصرًا دائمًا، ولا منهزمًا تمامًا… بل ناجيًا بلطف الله، في كل مرة ظنّ فيها أنه لن ينجو.
●bismallah34@gmail.com
● الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



