بهدوء.. الرياض تسحب ورقة الطاقة من الصراع: من بقيق إلى ينبع حيث تحطمت رهانات المضيق.

بقلم/ عبدالله البراق
في السياسة، لا تظهر القوة دائمًا في الضجيج، بل أحيانًا تُقاس بلحظة صمت محسوبة، لحظة تُسحب فيها ورقة من يد الخصم دون إعلان، هذا بالضبط ما فعلته السعودية حين تعاملت مع ملف مضيق هرمز، بدل الدخول في دائرة التهديد والرد عليه، ذهبت خطوة أبعد و أفرغت التهديد من مضمونه،
القصة ما بدأت بخط أنابيب، بل بسؤال بسيط في جوهره: ماذا لو أُغلق المضيق فعلًا؟ في الثمانينيات ومع اشتعال الحرب العراقية الإيرانية، لم يعد هذا السؤال افتراضًا نظريًا، في جو الناقلات فيه تُستهدف، والتوتر فيه يتصاعد، والأسواق تترقب في ذلك الجو، كانت إيران تلوّح بورقة الجغرافيا كما لو أنها مفتاح الإمدادات العالمية، والفكرة كانت واضحة: من يمر عبر الخليج، يمر عبر حساباتنا.
لكن القرار الذي غيّر المسار لم يكن ارتجاليًا، ففي عهد فهد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله، جاء التوجيه ببناء خط أنابيب يعبر المملكة من الشرق إلى الغرب، كخيار استراتيجي يسبق الأزمة ولا ينتظرها، ولم يكن الهدف مجرد حل مؤقت، بل تأسيس مسار دائم يضمن أن يبقى تدفق النفط خارج دائرة الابتزاز، مهما كانت الظروف،
من بقيق شرقًا حيث منابع النفط إلى ينبع غربًا على البحر الأحمر حيث طريق الطاقة العالمي، بدأ مسار جديد يُرسم فوق رمال الصحراء، أكثر من 1200 كيلومتر من الأنابيب لم تكن مجرد مشروع طاقة، بل كأنها “خروج صامت” من عنق الزجاجة، وأول شحنة وصلت للبحر الأحمر لم تكن حدثًا تقنيًا فقط، بل رسالة غير مكتوبة: النفط السعودي لن يُحتجز في ممر واحد.
وهنا تغيّر المشهد تدريجيًا. التهديد ظل موجودًا في الخطاب، لكن وزنه على الأرض خفّ. لأن الفكرة الأساسية سقطت: لا يمكنك خنق شريان لديه مسار آخر، وهذا الفرق بين من يلوّح بالخطر… ومن يعيد تشكيله،
ينبع نفسها تحولت إلى قصة ثانية داخل القصة، مدينة كانت هادئة، صارت مع الوقت عقدة صناعية ولوجستية تقف جنبًا إلى جنب مع الجبيل، والتوزيع بهذا الشكل ما هو تفصيل ثانوي؛ هو جزء من عقلية ترى أن تركيز القوة في نقطة واحدة مخاطرة بحد ذاته، وكلما تعددت المسارات تراجعت مساحة المفاجأة،
اللافت أن هذا التفكير لم يقف عند النفط، فاليوم مع رؤية السعودية 2030، يتكرر نفس المنطق لكن على نطاق أوسع، الموانئ، وسلاسل الإمداد، والربط بين القارات… كأن الفكرة القديمة تُعاد صياغتها بلغة جديدة: لا يُترك المستقبل لمسار واحد،
إن العبرة من رحلة بقيق-ينبع ليست في حجم الأنابيب أو كمية الضخ، بل في عقلية “صناعة البديل”؛ فالدول التي تبني نفوذها على التعطيل والتهديد تظل سجينة لهذا النهج، بينما الدول التي تبني خياراتها على الأرض هي التي تملك وحدها حق كتابة قواعد اللعبة، ولقد أثبتت الأيام أن الأمن الحقيقي لا يُترك لرحمة الظروف أو حسن نوايا الجيران، بل يُصان بالإرادة التي تحول التحديات الجغرافية إلى فرص سيادية لا تقبل المساومة.
والأمن الحقيقي لا يُترك للظروف… بل يُصنع بالقرار.



