البيئة تنقذ الريف: سياسات خضراء تصنع التنمية في إفريقيا

بقلم د. مازن إسماعيل محمد
في قلب القارة الإفريقية، حيث تتشابك الطبيعة الخلابة مع تحديات التنمية، تبرز السياسات البيئية كأداة مركزية لإعادة تشكيل مستقبل الريف. فالمجتمعات الريفية الإفريقية، التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة والرعي والصيد، تواجه ضغوطًا بيئية متزايدة مثل التصحر، وتدهور التربة، وتغير المناخ، مما يجعل من الضروري التوفيق بين حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
لقد أظهرت التجارب الإفريقية أن السياسات البيئية ليست مجرد خطط نظرية، بل أدوات عملية يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في حياة السكان الريفيين. ففي دول الساحل الإفريقي، أُطلقت مبادرة “السور الأخضر العظيم” لزراعة الأشجار على امتداد آلاف الكيلومترات، بهدف وقف زحف الصحراء وتحسين خصوبة الأراضي. وفي كينيا وزامبيا، ساهم دعم أسعار المحاصيل في تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين دخل المزارعين، بينما اعتمدت دول حوض النيل مثل إثيوبيا والسودان سياسات لتقاسم المياه وتحسين استخدامها في الزراعة، رغم أن 96% من الأراضي الزراعية الإفريقية لا تزال تعتمد على الأمطار.
الطاقة المتجددة أيضًا لعبت دورًا محوريًا، حيث ساهمت برامج الطاقة الشمسية في تنزانيا وغانا في تحسين الخدمات الصحية والتعليمية في القرى، وتقليل الاعتماد على الحطب والفحم. أما رواندا، فقد اتخذت خطوة جريئة بحظر الأكياس البلاستيكية منذ عام 2008، ما أدى إلى تحسين جودة التربة والمياه، وخلق فرص عمل في تصنيع البدائل البيئية. وفي جنوب إفريقيا، وفر برنامج “العمل من أجل المياه” آلاف الوظائف في المناطق الريفية من خلال إزالة النباتات الغازية التي تستنزف الموارد المائية، في حين دعمت أوغندا الزراعة العضوية، مما عزز صادرات المنتجات الزراعية ورفع دخل الأسر الريفية. أما المغرب، فقد وسّع استخدام الطاقة الشمسية والرياح في المناطق النائية، مما ساهم في تقليل الفجوة بين الريف والحضر، وتحقيق تقدم ملموس في أهداف التنمية المستدامة.
لكن هذه النجاحات لم تكن سهلة المنال، فقد واجهت السياسات البيئية في إفريقيا مجموعة من العوائق البنيوية والعملية. أبرزها ضعف التمويل، حيث لم تفِ الدول الغنية بتعهداتها بضخ 100 مليار دولار سنويًا لدعم التحول البيئي، ما جعل كثيرًا من المشاريع عرضة للتوقف أو التأجيل. كما أن الهشاشة السياسية والأمنية، خاصة في مناطق النزاع، تعيق تنفيذ السياسات، إلى جانب ضعف التنسيق بين القطاعات المختلفة، مما يؤدي إلى تضارب في الأهداف وإهدار الموارد. ويُضاف إلى ذلك نقص الوعي والتعليم البيئي، والاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية، وضعف البنية التحتية والتقنيات الحديثة.
لتجاوز هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تعزيز التمويل المحلي والدولي عبر شراكات مبتكرة، ودمج السياسات البيئية في الخطط الوطنية للتنمية لضمان التنسيق وتكامل الأهداف. كما أن رفع الوعي البيئي من خلال الإعلام والتعليم، وتوفير بدائل اقتصادية مستدامة مثل الطاقة الشمسية والزراعة العضوية، وبناء القدرات المحلية عبر التدريب والدعم الفني، كلها خطوات ضرورية لضمان نجاح السياسات البيئية وتحقيق التنمية الريفية المستدامة.
في النهاية، تكشف التجربة الإفريقية أن البيئة والتنمية ليستا مسارين متوازيين، بل طريقًا واحدًا يتطلب رؤية متكاملة، وإرادة سياسية، ومشاركة مجتمعية فاعلة. فحين تُصاغ السياسات البيئية بعناية، وتُنفذ بشفافية، وتُدعم بالتمويل والتدريب، فإنها لا تحمي الطبيعة فحسب، بل تفتح أبوابًا جديدة نحو العدالة الاجتماعية، والاستقرار الاقتصادي، والكرامة الإنسانية في الريف الإفريقي.



